بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 10 مارس 2014

'البليدة' بلدة جزائرية بحجم التاريخ وجمال الجغرافيا



إذا كانت الجزائر قد اشتهرت بأنها أرض الثورات وأرض المليون ونصف شهيد، فإنها تشتهر أيضا بمدنها السياحية الثرية بحكايات التاريخ والحضارات، ومن بين هذه المدن الجزائرية تتميز مدينة “البليدة”، إحدى أهم المدن التاريخية والاقتصادية، بأنها قبلة المواطنين والسياح من كل حدب وصوب.
يروي الباحثون أن اسم “البليدة”، يعد تصغيرا لكلمة بلدة التي تم تأسيسها من طرف العثمانيين، بعد تقسيم الجزائر إلى ثلاثة أجزاء من طرف السلطان حسان باشا، حيث كانت البليدة ضمن المقاطعة الوسط أو ما يسمى في تلك الفترة بـ“بايلك التيطري” في العام 1548م.
وتشتهر “البليدة” بأبوابها الخمسة ذات التاريخ العريق التي أصبحت قبلة للزوار وتستقطب الآلاف من السياح سنوياً لما تحفظه من بصمات الدولة العثمانية وتراثها المعماري. إذ نجد باب السبت، باب خويخة وباب الزاوية، باب الرحبة وباب دزاير.
ورغم اندثارها جميعا فإن السكان حافظوا على تسمياتها في كل مكان يشهد عليها بتاريخها القديم نظرا لبناء السلطان أحمد باشا لسور كبير به خمس أبواب تفتح في النهار وتغلق في العاشرة ليلا وبذلك بقي السكان محتفظين بالتسميات لأهميتها في تلك الفترة.
أما عن حكايات الأبواب الخمسة، فقد سمي”باب السبت” نسبة إلى ازدهار التجارة يوم السبت، حيث ينتهز التجار القادمون من الولايات المجاورة الفرصة لبيع بضاعتهم في هذا اليوم ويقتنون أغراضا أخرى للعودة بها، أما “باب الخويخة” فهو تسمية تصغير لكلمة خوخ لانتشار أشجار فاكهة الخوخ في ربوع أرض البليدة المعروفة بخصوبتها، بينما يسمى “باب دزاير” نسبة لانتشار سكان الجزائر العاصمة الذين يلقبون بـ“الدزيريين”، وهم من سكان مدينة القصبة العتيقة في العاصمة الجزائرية واختاروا أحد أحياء البليدة ليسكنوا فيها.
وأطلق اسم “باب الزاوية”، نسبة لمقام الولي الصالح سيد أحمد الكبير، والتي يطلق عليها الزاوية أو المقام. بينما يسمى “باب الرحبة” نسبة لمساحة واسعة تقام فيها الاحتفالات أو ما يسمى بالرحابة أو الرحبة في اللهجة الشعبية الجزائرية.
وتعد “البليدة” من المدن الجزائرية الجميلة التي تحيط بها من الشمال جبال الأطلسي وسهول “متيجة”، حيث تشتهر بمنتجاتها الزراعية والصناعة الغذائية، محاطة بحقول القمح والشعير وحدائق الزيتون وأشجار اللوز والكروم والبرتقال والفواكه من العنب والتفاح والأجاص وإنتاج أيضا مستخلصات الأزهار.
وتشتهر المنطقة بأنها عاصمة الورود والزهور والعطور في الجزائر. ففي فصل الربيع تفوح رائحة زهر البرتقال لتعبق بأجواء البليدة، كما تنتشر بكثافة أشجار الياسمين الأبيض المتدلية من أسوار الأبنية والمنازل ونباتات زهرية متنوعة.
وتمتلك “البلدة الصغيرة” العديد من الأماكن السياحية والخلابة كقمة الشريعة التي تتميز بغابات الأرز والصنوبر والبلوط الجميلة وتكتسي الشريعة بالثلوج شتاء، فتصبح قبلة لجميع الناس وهواة التزحلق كما تعطينا منظرا رائعا لمدينة البليدة، كذلك منطقة “شفة” وهي محمية طبيعية يجتازها وادي شفة وتتكاثر بها القردة من فصيلة الشامبانزي، فيقصدها الناس صيفا للاستمتاع بالمناظر الخلابة واللعب مع القردة الطليقة ومياه النهر الباردة.
إضافة إلى منطقة “حمام ملوان” وهي عبارة عن حمام كبير ومشهور، به مياه معدنية دافئة طبيعية يقصده الناس للتطبب، وتتكون المنطقة من نهر يقصده الناس صيفا خاصة “المقطع الأزرق.
وفي الطريق إلى داخل البليدة أو عند الخروج منها، تلفت المنازل القديمة المصنوعة من الطوب والطين والقرميد الانتباه لكل القادمين إلى المدينة، فقد بقيت تلك المنازل واقفة لتذكرنا بتاريخ البليدة سواء كان عثمانيا أو فرنسيا يعود إلى حقبة الاستعمار.
وقد أصبحت “البليدة” مركزا تجاريا وإداريا في وسط الجزائر، حيث تقع بالقرب من العاصمة، وأصبحت منذ أكثر من قرن ونصف قبلة لسكان العاصمة الأصليين، حيث استقروا فيها علاوة على سكان المدن المجاورة لها من بينها مدينة “تيبازة” غربا و“بومرداس” و“البويرة” شرقا والمدية و”عين الدفلى” جنوبا.
وعلاوة على الرواج الكبير الذي تشهده التجارة فيها في مختلف أحيائها التي أصبحت رمزا للتبادل التجاري والأسواق المفتوحة على طول الشوارع العريقة التي تتوسط المدينة، كما تتميز المدينة العريقة بالصناعات التقليدية مثل تقطير ماء الورد الطبيعي وتصنيع مربى البرتقال لكثرة تواجده في المنطقة والتطريز على القماش والنقش على النحاس لكن أشهرها على الإطلاق هي صناعة الحلويات التقليدية التي تعد بمثابة “بطاقة تعريف” مدينة الورود، إذ تتميز العائلات “البليدية” بصناعة مختلف أصنافها في المناسبات كالأعياد والأعراس.

ويعود تاريخ صنع الحلويات في البليدة إلى فترة الحكم العثماني مثل حلوى “الشاراك”، وهي كلمة تركية تعني الهلال و“القطايف” و“عش النمل” والبقلاوة والدزيريات وسكندرانيات وقصبولة اللوز والجوز، وهي من بين أشهر أنواع الحلويات الموروثة منذ حقبة الأتراك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق