بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

السبت، 28 مارس، 2015

مدينة الألف قبة وقبة كنز دفين في قلب الصحراء الجزائرية




يقول مختصون إنه “منذ عشرات آلاف السنين، كانت منطقة وادي سوف تنتمي جيولوجيا إلى الكتلة القديمة البلورية التي تكونت أثناء العصور الأولى من تاريخ الأرض الجيولوجي، والتي تتألف من الغرانيت والنيس والميكاشيست والكوارتزيت، وبعد تعرض سلاسلها الجبلية للتعرية اجتاحتها مياه البحار القديمة، فكادت تغمر كامل الرقعة الصحراوية الحالية، ولكن انحسرت المياه أثناء العصر الفحمي. وأثناء عصر الأيوسين (بدء الحياة الحديثة) خلال الزمن الجيولوجي الثالث تعرضت الصحراء لعوامل التعرية الجوية التي أثرت على تضاريسها فطبعتها بطابعها المميز الحالي.
ويقول العلامة ابن خلدون “كان الناس يستظلون في ظل الأشجار عند تنقلاتهم من طرابلس إلى الزيبان، ولعل حرق الكاهنة وهي قائدة بربرية لتلك المناطق إبان الفتح الإسلامي يشير إلى ذلك.
ولعل ما يشهد برأي المختصين على العصر الحجري في سوف “وجود الصوان المسنون والأدوات المختلفة الأنواع والأحجام كرؤوس السهام المصنوعة بدقة ومن مختلف العصور.
ويقول مؤرخون إن إقليم السوف (محافظة وادي سوف حاليا) كان في ما قبل التاريخ غنيا بالحيوانات والنباتات، كما أنه عرف حضارات متعددة منذ العصر الحجري، ولقد عرجت العديد من الرحلات والهجرات الإنسانية عبر السوف، الذي كان مقرا للقبائل البربرية الزناتية لمدة طويلة، ثم استعملته جيوش الرومان للعبور نحو الشمال، أما أول القبائل العربية فقد وصلت إلى السوف في القرن السابع تقريبا، وكان السكان الأصليون لهذا الإقليم يعيشون في الخيام ويمارسون تربية المواشي والتجارة، ولكن زراعة النخيل جعلتهم يستقرون في بيوت من الجبس.
وتعد مدينة الوادي الواقعة على الحدود مع تونس وليبيا، من أجمل مدن الصحراء الجزائرية في الظرف الراهن بفضل طابعها المعماري الجذاب، حيث ترتفع القباب على كل بنايات المدينة بطابعها الفردي والعمومي والشعبي والرسمي، وهي صومعات تصنع من الجبس المحلي وتدخل في أبجديات المعمار المحلي لتحمي ساكنيها من قيظ الصيف وقرّ الشتاء، فهي تؤدي دور المكيفات الهوائية بمنطق الحياة الحديثة.

ويعتبر مسجد وسط المدينة والسوق الأسبوعية القلب النابض للمدينة، حيث يتدافع جمهور من المتنزهين والباعة والمشترين يغمرهم عبير التوابل وتكتنفهم القيم الأصيلة ذات الدلالة الرمزية العريقة. وتختزل الرسوم الجدارية الأربعة في مدخل المدينة لزوار وضيوف المدينة تاريخ وادي سوف منذ العصر الحجري الأخير إلى غاية حرب التحرير الوطني الأخيرة. كما يشكل متحفها المتواضع رواية تحكي قصة الإنسان السوفي وتستعرض مسيرته عبر القرون.

الأحد، 22 مارس، 2015

مسجد كتشاوة




بعدستي المتواضعة، وبمنتهى الفخر والاعتزاز، التقطت اليوم هذه الصورة لجامع كتشاوة الشامخ في قلب العاصمة، مستلهمة الماضي الزاخر من خلال هذا المسجد المخلد لرقي العمران العثماني في الجزائر، والشاهد على المسخ الفرنسي الذي طاله عندما حوله إلى كاتدرائية، والتضحية الباسلة التي قدمها آلاف المصلين الذين فضلوا القتل على الخروج من اعتصامهم فيه، ومستشرفة المستقبل الذي ينتظر أن يلعب فيه دوره الحضاري من جديد بعد انتهاء الترميمات التي تتم بشراكة تركية جزائرية.

الجمعة، 20 مارس، 2015

حديقة الحامة متحف طبيعي نادر تفتخر به الجزائر



العرب  صابر بليدي

أمام زحف الإسمنت على حياة الجزائريين وتلوث مدنهم الغارقة في النفايات وضجيج المركبات، تبقى حديقة الحامة بالعاصمة تحفة بيئية نادرة ورئة يتنفس من خلالها العاصميون وزوارهم من مختلف الربوع والمحافظات، الأمر الذي حولها إلى معلم يستعرض هويّة العاصمة الجزائرية، ويقدمها كتحفة طبيعية ألهمت كبار الفنانين العالميين، فأنجزت في جنباتها أعمال فنية وسينمائية كثيرة.
نشأت حديقة التجارب بالحامة عام 1832، على يدي المهندس المعماري الفرنسي رينييه الذي أعد تصميماتها، وتضم حاليا أكثر من 3 آلاف نوع نباتي ومئات الأنواع من الحيوان والسمك والحشرات، وتتجاوز مساحتها 32 هكتارا.
ومنذ تأسيسها كانت أرضا للتجارب العلمية أجراها باحثون فرنسيون، حيث أحضروا عددا كبيرا ومتنوعا من النباتات من مستعمرات أفريقيا آنذاك، لزراعتها فوق أرض الحديقة للتكيف مع مناخ البحر الأبيض المتوسط الذي تبعد عنه بحوالي 200 متر فقط. كما نقلت إدارة الاستعمار أثناء فترة الاحتلال الكثير من أصناف النباتات من الجزائر إلى فرنسا.
وتستمد حديقة الحامة تسميتها من حي الحامة ببلوزداد، وهي ثالث حديقة في العالم من حيث النباتات النادرة، التي لا يوجد نظيرها إلا في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وتوصف بـ“جنة العاصمة” نظير المناخ المعتدل الذي يميزها فدرجة الحرارة لا تصل 15 درجة في عز الشتاء إلا نادرا، في حين تكون 5 درجات في الأحياء المجاورة.
وفي فصل الصيف لا تتجاوز 25 درجة بينما تكون خارجا 35، ولهذه الأسباب فهي قبلة عدد كبير من سكان العاصمة والمحافظات المجاورة وحتى البعيدة خاصة في أشهر الصيف.
وأسهم التميز المناخي للحديقة في تنوع النباتات والأشجار، مما دفع بالقائمين عليها إلى إنشاء مربعات لزراعة الأزهار التجريبية والمشاتل وبيوت البلاستيك والحصى المكسيكية، إلى جانب الزراعة المخبرية التي يقصدها الباحثون وطلبة معهد الزراعة، لا سيما بعد تأسيس إدارة الحديقة لمدرسة لتكوين البستانيين ومنشآت قاعدية أخرى.
ويقول مدير الحديقة، عبد الرزاق زرياط إن “حديقة الحامة تشكل متحفا حقيقيا للطبيعة، إذ تضم أشجارا يفوق عمرها 150 سنة ونباتات نادرة وفريدة أتت من مختلف أرجاء العالم، وتحوي 2500 نوع من النباتات وأشجار عمرها مئات السنين وأكثر من 25 نوعا من أشجار النخيل، فضلا عن حديقة على الطراز الفرنسي الكلاسيكي وأخرى بالطابع البريطاني.
ويضيف أن “الحديقة تضم أنواعا عديدة، كشجرة ورد يبلغ ارتفاعها ثلاثين مترا وتعود إلى مئة سنة تقريبا، وأشجار نخيل من نوع البلميط وأشجار البيلسان العريقة التي قد ترتفع 30 مترا، إضافة إلى نبتة الكافور وشجر البامبو، فضلا عن شجرة الجنكة (شجرة الكزبرة أو عشبة الذكاء) وهي أحد أنواع الأشجار التي تتحمل التقلبات المناخية القاسية قرونا عدة.
وخلال فترة الترميم شهدت الحديقة غرس أشجار طولها 15 مترا في ممر أشجار الدلب الذي يعود تاريخ النباتات المغروسة فيه إلى منتصف القرن الـ19. وقامت الإدارة بترميم ممر الخيزران بغرب الحديقة وممر التنين أيضا وغطت أكثر من 6 آلاف هكتار بالعشب الاصطناعي بالجانب الفرنسي من الحديقة.
ويؤكد أحد المهندسين أن الحديقة كانت إحدى أجمل حدائق العالم، إلا أن معظم أشجارها يفوق عمرها المئة عام، إذ زرعت أولاها في العام 1848. ويجب العمل اليوم على تجديد نباتاتها، والسماح بالتخصص في النباتات المحلية، وهو دور الحدائق النباتية. وبعد عملية التأهيل تأمل إدارة الحديقة في استعادة مكانتها العالمية التي كانت تحتلها قبل 50 عاما.
وتستقبل الحديقة بين 5 آلاف و8 آلاف زائر في اليوم الواحد خلال أيام الأسبوع، ويزيد عدد الوافدين في نهايته، مما يضطر إدارتها أحيانا لعدم تجاوز العدد الأقصى الذي يمكن أن تستوعبه، ويضطر الأعوان لوقف بيع التذاكر مخافة إتلاف الغطاء النباتي أو الإضرار به.
                 

ويقول المدير عبدالرزاق زرياط “هناك مجموعة من التعليمات ينص عليها القانون الداخلي للحديقة وعلى المواطنين التقيد بها من أجل الحفاظ عليها، كمنع دخول الدراجات والمذياع للحفاظ على هدوء المكان. وحتى منع الغناء بصوت مرتفع على عناصر الكشافة أو استعمال الآلات الموسيقية، لأن المكان ليس فضاء للحفلات أو الترفيه.
وسخرت الإدارة طاقما من العمال والموظفين يسهر على خدمة الزوار وتوجيههم والحفاظ على محتويات الحديقة والسهر على الأمن بداخلها، إلى جانب صيانتها وغرس النباتات والزهور.
كما يجري التفكير في إدراج خدمة الدليل ليكون في خدمة من يطلبه كمرحلة تجريبية، خاصة بالنسبة للوفود الزائرة القادمة من خارج العاصمة أو بالنسبة للسياح الأجانب.
ومنذ إعادة فتحها أمام الزوار في العام 2009 بعد أن شهدت أعمال ترميم، تدعمت الحديقة بعدة مرافق تسهر على إعطائها الطابع العلمي والترفيهي في آن واحد، حيث استحدثت بها ورشة لإعادة تحويل بقايا النباتات والأشجار قصد استخدامها لاحقا كمواد عضوية لتغذية الأشجار والنباتات وورشة أخرى لاسترجاع المواد البلاستيكية من قارورات وأكياس التي يخلفها الزوار، حيث يقوم العمال بجمعها إلى ورشات خاصة أين تتم إعادة رسكلتها من أجل استغلالها مجددا.
كما تلعب مدرسة التربية البيئية دورا أساسيا في إعداد الصغار وتعليمهم كيفية التعامل مع بيئتهم وتعوديهم على احترام المحيط الأخضر. واستقبلت منذ افتتاحها زهاء 20 ألف طفل من مختلف الهياكل التربوية والكشفية والشبانية زيادة على الأطفال الذين يأتون رفقة أوليائهم.

وقد جاءت الاتفاقية التي تربط المدرسة بعدة هياكل تربوية عبر الوطن لتدعم دور المدرسة في غرس ثقافة البيئة واحترام المحيط لدى الأطفال، إذ تتوفر على عدة هياكل وورشات تستقطب اهتمام الطفل، منها ورشة البستنة وتربية النحل والأسماك والعصافير، وكلها تهدف إلى جعله يحتك بها ويتعرف على التنوع البيئي في الجزائر ويساهم في المحافظة عليها وتدعيم تواجده من خلال المشاركة الفعالة فيها.

الأحد، 15 مارس، 2015

قصر «تاجنينت» في صحراء الجزائر: عمره ألف عام صامد في مواجهة رياح التغيير




سليمان حاج إبراهيم   «القدس العربي»
واحة خضراء غناء تتغنج بدلال وهي آمنة مسترسلة على سفح أهرامات ضخمة، تعلوها مأذنة فريدة تشبه نقطة صغيرة في بحر من الرمال ممتد على مساحة شاسعة، يشقها خط ملتو هو مجرى وادي، يكون جافا مرات، ويغمر ما حوله حينما يفيض. مشهد بانورامي تراءى لي بوضوح من نافذة طائرة «الأتي أر» المتهالكة والتابعة للخطوط الجوية الجزائرية وهي تحلق من علو منخفض في رحلتها من العاصمة الجزائر نحو مدينة غرداية. لحظات وتحط بنا الطائرة في مطار مفدي زكريا، كنت أسمع المضيفة وهي تعلن وصولنا، والقصة المأسوية لشاعر الثورة الذي أطلق اسمه على هذا المعلم حيث مسقط رأسه، وتغنى بالمنطقة الفريدة في كل شيء بالكثير من القصائد الخالدة، تسبق نظري. وحسرة أشعر بها على من نظم نشيد الثورة، لم يتمكن يوما من العودة حيث ترعرع بسبب خلافات مع رفقاء درب الكفاح المسلح. بسرعة كنا نسترق بعض اللقطات والصور، لتلك القصور الخمسة العريقة التي نبتت في هذه الفلاة على جبال صخرية جرداء لا شجر بها، ولا زرع، لتتحول بمرور السنين إلى تحفة معمارية تشبه حدائق بابل المعلقة. كانت أشعة الشمس آفلة وتنعكس على كثبان رملية آسرة لحظة حلقنا فوق مدينة غرداية أو وادي ميزاب التي عاشت قبل فترة مرحلة عصيبة من تاريخها، بسبب أحداث دامية ومنازعات ومناوشات ساهمت بها أطراف خفية، وأخذت هامشا من نشرات أخبار المحطات العالمية والصحف الدولية. «المدينة أصبحت هادئة وهي حالمة وادعة تحاول ترميم ذكرياتها وتجاوز آثار محنتها العصية، ونرجو أن لا نعيش ذات التجربة المأسوية»، يتحدث معي حسيسن المرشد السياحي الذي أقابله في كل زيارة، ولا يزال ذاته منذ سنوات طويلة يرافق السياح والأجانب الوافدين إلى تغردايت مثلما تسمى بلهجتها المحلية الأمازيغية.
«أم القرى»
إلى العطف ستكون وجهتنا الأولى يتحدث مرشدي الذي وكّلت له أمر التخطيط للرحلة وهو يستمتع بعمله، ويعيش تجربة الدليل السياحي بكل جوارحه وكأنه خلق ليكون كذلك. يخبرني باعتزاز في الطريق إلى «تاجنينت» التي تعد أول قصر شيد في منطقة وادي ميزاب أن الناس لا يزالون في غمرة احتفالاتهم بذكرى تأسيسها السنوية التي تجاوزت الألف عام، وحيث لا تزال حتى الآن بعض البيوت القديمة تقاوم بثبات عوامل الزمن والاندثار وتتجاوز كل المحن. حسيسن الذي آثر البقاء في هذا الوادي على العيش في فرنسا حيث أشقاؤه ما زالوا هناك، كان يتحدث طيلة الطريق عن تفاصيل الأزمة التي عاشتها المنطقة وعن خلفياتها، ليؤكد أن مدينته العطف كانت بعيدة عن هذا الصراع. ويعتبر أن ذلك يعود للتعايش اللافت بين المتساكنين من الأمازيغ السكان الأصليين، والعرب. يكشف مرشدي أن هذا الاسم الذي يحمله ويعرف به، أطلقه عليه أحد السياح الإسبان حينما لم يتمكن من نطق لقبه جيدا ومنذ ذلك اليوم أصبح الجميع ينادونه به. يؤكد الأربعيني المرح أن هناك آلاف السياح من كل دول العالم يأتون سنويا إلى غرداية للوقوف على أثارها التي صنفتها في ثمانينيات القرن الماضي، منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم اليونيسكو ضمن الإرث العالمي، وتؤكد على ضرورة حمايتها. يملك مرافقي ملكة قوية في التواصل مع الناس، وهو لهذا يتحدث بطلاقة سبع لغات عالمية أجادها من تعامله الدائم مع الأجانب ومرافقتهم لهم في رحلاتهم الاستكشافية والبعثات العلمية وحتى الرسمية.
«سقوط دولة تيهرت الرستمية»
سرنا نحو 10 كيلومترات للوصول إلى أول معلم في غرداية، أغرم نتلزضت أو قصر الصوف، وكان أساس الحركة العمرانية في هذه الصحراء القاحلة الجرداء التي جاهد سكانها لنحت صخورها واستخراج مياه عذبة من أعماق الأرض الجافة. وعلى امتداد مجرى وادي ميزاب، انتصبت بشموخ خمسة قصور أو قرى متجاورة حملت تسميات عربية وبربرية وهي (العطف: تاجنينت) و(بنورة: أث بنور) و(وسط غرداية: تغردايت) و(بني يزقن: أث ييزجن) و(مليكة: أث امليشيت) وعلى مسافة بعيدة منها (القرارة) و(بريان). ولا تزال حتى الآن بقايا وأطلال هذا القصر شاهدة على عمارة المنطقة من قبل سكان فروا في عصور غابرة من الفتن والمحن التي كان يشهدها العالم الإسلامي في تلك الفترة بحثا عن الأمان ودرءا للمخاطر وتحصنا في ظهراني هذه الجبال. وعلى مدخل بلدة تاجنينت توجد لوحة عملاقة تتحدث عن الذكرى الألفية لتأسيس المدينة عام 1012 الموافق لـ 402 للهجرة وترحب بزوارها، حيث أسسها خليفة بن أبغور بعد سقوط (الدولة الرستمية عام 296 هـ).
مقام عريق ملهما
لمهندس معماري عالمي
يجب أن نزور أولا مقام عمي إبراهيم، يخاطبني حسيسن وينطلق في حديثه عن روعة تصميم مقبرة الرجل الصالح الذي استلهم منه المعماري الفرنسي ذو الصيت العالمي، لو كوربوزييه تصميما لأحد أشهر المباني التراثية في سجله الباهر. ويتميز المبنى بشكله الفريد ودوائره المتعددة الأحجام، لتعكس بإحكام أشعة الشمس على مداخله ونوافذه الصغيرة التي تسمح بدخول ما يسمح بإضاءة المكان من دون التأثير على درجة الحرارة في الداخل والتي تظل معقولة حتى في أشد فصول السنة حرا. من المكان، قادتنا خطانا سيرا إلى مقام سيدي أمحمد (أبي عبد الله محمد بن بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي) الذي يعتبر مؤسس نظام حلقة «العزابة» المميز والتي تلعب دورا محوريا في حياة السكان وتنظم شؤون حياتهم العامة وتدير كل تفاصيلها بما يكفل تحقيق التضامن بين الأهل وتحقيق العدل.
نظام عرفي
لتنظيم شؤون الناس
تتميز غرداية بأنظمتها الاجتماعية العرفية التي تعد المنظم والمسير لشؤون الحياة منذ تأسيس المدينة، ولم تتمكن أي سلطة مدنية من تجاوز هذا الإرث الذي ساعد في تحقيق التوازن وضمان الاستقرار من دون حدوث أي تجاوزات. وعلى رأس المؤسسات العرفية الموجودة حلقة العزابة التي تتشكل من الضالعين في علوم الدين والمتبحرين في أبوابه وكل من يتصف بالورع والتقوى ليكونوا هم الحلقة الأهم. وتأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية مجلس الأعيان الذي يعتبر المسير الحقيقي والفعلي لشؤون الناس اليومية والضابط لتفاعلاتها والوسيط في حل النقاشات والمنازعات. واحتفلت المدينة مؤخرا، بما يعتبره سكانها الحدث الأبرز في تاريخ المنطقة كلها، وهو ختم عضو حلقة العزابة الشيخ سعيد محمد كعباش لتفسير القرآن الكريم. وحضر الاحتفال الضخم الذي أقيم بالمناسبة شخصيات من كل الجزائر ومن الخارج لمعايشة حدث آخر حلقة من سلسلة دروس باشرها الشيخ الذي عكف منذ ثلاثة عقود على هذا المشروع.
نمط عمراني فريد
الوافد إلى غرداية لابد له من أن يزور أحد القصور القديمة التي تتميز بنمط عمرانها الذي يتوائم والطبيعة القاسية التي تميز المنطقة الحارة صيفا، والباردة شتاء مع وجود زوابع قوية تهب عليها في مواسم عدة. ويؤكد الخبير الدولي في مجال العمران وعلم الاجتماع الدكتور إبراهيم بن يوسف أن النسق العمراني يتميز بوجود تآلف مع المحيط وفي تفاعل مع الطبيعة. ويعتبر أن الميزة الأولى هي وجود المسجد في أعلى قمة الجبل وتدور حوله المباني والمنازل في دوائر تشكل تدريجيا القصر الذي روعي فيه مواصفات دقيقة تنظم علاقة الناس ببعضهم بوجود أعراف واضحة في تصميم البيوت. والشوارع أبدا لا تجدها هنا في خط مستقيم لكسر حدة الرياح وتماهيا مع انحدار الجبل الذي شيدت عليه المدن. ويعتبر الخبير الدولي أن العديد من الدراسات أنجزتها جامعات عريقة حول الطابع العمراني المميز لولاية غرداية ويعتبرها الباحثون أحد أبرز النماذج المشرقة لقدرة الإنسان على تطويع المحيط وفق رغابته وقدر إمكاناته خصوصا وأنها شيدت على أرض قاحلة جرداء ولم تكن لهم إمكانات كبيرة. ولا تزال القصور العريقة محافظة على نسقها، حيث الشوارع ضيقة ولا يمكن أن تدخلها العربات والسير فيها يكون مشيا على الأقدام أو على الدواب التي تستخدم لحمل الأغراض. وتتميز البيوت المتجاورة المتكونة من 3 طوابق في الغالب بكواتها المفتوحة على الشارع لتسمح بدخول قدر محدد من ضوء الشمس للحفاظ على البيئة وعدم تلويثها.
تقسيم عضوي للبيوت
يعتبر المهندس يحي حاج امحمد أن البيوت الميزابية تتميز بتقسيم خاص حيث يكون على المدخل جناح للرجال يسمى «أدويريت» وعادة ما يخصص وسط الدار للنساء ليأخذن راحتهن. ولكل منزل قبو أو دهليز، يكون حارا في الشتاء، وباردا في أيام القيض بشكل غريب حيّر الباحثين المعماريين. ويعتبر أن الأمر سببه استخدام مواد بناء متوافقة مع الظروف الطبيعية بالاعتماد على الحجارة الصماء والطين. وكل بيت له فتحة في السقف تسمح بمرور أشعة الشمس لإنارته بشكل طبيعي. وتتشابه البيوت في هذه المدن التراثية في سعي للحفاظ على هذا الطراز المعماري حيث شيدت البيوت الحديثة بنفس النمط. وكل المدن محاطة بسور ذي أبواب خشبية ضخمة تغلق مع حلول المغرب ولا تفتح إلا للسكان بوجود أبراج حراسة بها نوافذ بزوايا واسعة لا يمكن اختراقها بالأسلحة. وخارج السور توجد الأسواق التي تتم فيها حتى الآن عمليات بيع بالمزاد، تسمى دلالة.
نهاية العالم
الطابع العمراني الخاص لقصور وادي ميزاب، يتميز بمواصفات راعى فيها سكانه ظروفهم، وناضلوا للحفاظ عليه مئات السنين بعيدا عن رياح التغيير في العالم الذي أصبح قرية واحدة بفضل شبكات التواصل الاجتماعي. وسألنا الدكتور يحي بكلي ابن المنطقة الذي يدرّس علم المعلومات في جامعة خليجية مرموقة، عن سبيل التعامل مع التحدي البارز الذي يعتبر أهل ميزاب أنه الأخطر الذي يواجهونه منذ آلاف السنين للحفاظ على موروثهم وصونه. يكشف الباحث أن العطف تسمى أم القرى لأنها الأولى من القصور الميزابية السبعة تأسيسا، هي في الوقت ذاته الأخيرة في مجرى وادي ميزاب، تبدو معزولة وبعيدة عن بقية القصور. ويضيف أنه حينما كانوا صغارا سمعوا أن أحد المرشدين السياحيين لما وصل سد أحباس حيث يوجد قصر الصوف الذي هو أساس المدينة، رفقة سياح فرنسيين قال لهم بنبرة جدية هنا نهاية العالم. ويسرد قائلا: «أنه حينما كان صغيرا تصور أنه بعد هذا السد الذي جرفته أحد الوديان القوية التي تشهدها المنطقة كل فترة، يوجد منحرف الكرة الأرضية». لكن بعد أن اكتشف الفرق بمرور السنوات، ومع إرهاصات العولمة تأكد أنه ليس إلى هذا الحد. ويوضح فكرته بالتأكيد على أنه لم يكن أحد يتصور ولو للحظة أن الانترنت سيجسد كل التحوّﻻت التي بدأت تتجلى. ويشدد في حديثه التحليلي لتطورات الأحداث في هذه الحاضرة التي تعتبر من أكثر المناطق محافظة في الجوار، أنه لم يكن يتخيل أن المرأة الميزابية التي تتميز بلبسها للحائك الصوفي الأبيض، الذي يغطي كامل جسدها، مع فتحة عين واحدة للمتزوجة ووجه كامل للعزباء، سيكون لها أصدقاء من الرجال وأنها ستتكلم مع أجانب. بالمقابل يضيف الدكتور بكلي أن هذه الصرعة التكنولوجية أتاحت لتلك الفتاة أن تحصل على شهادات عالية، بفضل التعليم عن بعد، وبفضل افتتاح العديد من المدارس، وجامعة ضخمة، وهي التي قبل الانترنت لم تكن (بحكم أعراف المجتمع) تحلم بالتعليم العالي، أو الحصول على الثانوية العامة، وهو أمر أشبه بجائزة نوبل يضيف.
فورة التكنولوجيا وسط الصحراء

ويعتبر الباحث الذي له مؤلفات في الموضوع، أنه قبل عالم الانترنت أثناء دخول تكنولوجيا الفضائيات على المنطقة، كان شاهدا على حالة الارتباك التي وقعت فيها النخبة المديرة لشؤون البلدة الاجتماعية إلى درجة أن بعضهم أفتى بأنها حرام والمتفتح منهم ترك الأمر للقرار الشخصي لكل أسرة. وكانت سابقة خطيرة في حكم الميزابيين إذ لم نكن متعودين على أن يترك لكل واحد أن يتخذ موقفا من الأشياء الجديدة الوافدة باستقلالية عن المجموعة. ومع تزايد سرعة رياح العولمة فان حياة السكان، تشهد صراعا بين مسلماتهم وضرورات التأقلم، يؤكد الباحث. وأشار إلى أنهم «ينجحون في مرات ويخفقون في أخرى». فمساجد قصور وادي ميزاب، أصبحت تعتمد تكنولوجيا الإرسال الأثيري، والسكايب، وتنقل عبر الايستريم، حيث أن إبن المنطقة في أمريكا أو في قطر أو في سويسرا يعايش أحداث بلدته كما لو أنه لم يخرج منها.

الثلاثاء، 3 مارس، 2015

الجزائر في 1911

مشهد جزائري قديم يعود إلى العام 1911م، وعلى الجدار خلف الشخصين عبارة "الجزائر المحمية بالله" في ظل سنوات الاستعمار الحالكة، وفعلا حماها الله تعالى وأعان اهلها على إخراج العدو الغاشم.