بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الثلاثاء، 3 مارس، 2015

الجزائر في 1911

مشهد جزائري قديم يعود إلى العام 1911م، وعلى الجدار خلف الشخصين عبارة "الجزائر المحمية بالله" في ظل سنوات الاستعمار الحالكة، وفعلا حماها الله تعالى وأعان اهلها على إخراج العدو الغاشم.

الأربعاء، 25 فبراير، 2015

جاؤوا ينشرون "الحضارة" في الجزائر...فكانت المفاجأة



"الأروقة الجزائرية"،"البوسطة"، المدرسة الثعالبية، بلدية الأبيار وبنايات أخرى تشبهها من حيث هندستها الجزائرية "القصبجية" تنتشر في أبرز شوارع المدينة الأوربية بالعاصمة متحدية انسجامها النمطي ومثيرة للتساؤلات... ترى ما سر هذا اللغز المعماري...؟
وقع للاحتلال الفرنسي بالجزائر ما وقع للملك فرديناند وإيزابيلا بالأندلس. فبمجرد إسقاط النظام السياسي و الاستيلاء على البلاد، قام بمحو آثار "البرابرة" عبر طمس ثقافتهم وتهديم مدينتهم التي لم تكن لديه القدرة على تذوق جمالها واكتشاف رقيها المعماري إلا بعد أكثر من تصف قرن. وكان المحتلون يهدفون إلى تأكيد "تفوقهم" ليس عسكريا فقط بل في جميع مجالات الحياة. لذلك اعتقدوا وبغرور فظيع أنهم الحضارة والباقي نفايات بشرية من الضروري التخلص من إزعاجها بالإبادة..أو بالترويض في أحسن الأحوال...
"الفئران" و "البرابرة"
بعد قرن من الاحتلال وفي عز الاحتفال "بالإنجازات" التي حققتها فرنسا بالجزائر خصوصا من الناحية العمرانية طيلة هذه الفترة، قَدِمَ Le Corbusier، أحد كبار المهندسين المعماريين السويسريين والعالميين، إلى مدينة الجزائر؛ القصبة والمدينة الأوربية معا، وعَلَّقَ على ما اكتشفه في كتابه La ville Radieuse (المدينة المُشِعَّة) الصادر في 1935م بأن "المتحضرين يعيشون كالفئران في الجحور، بينما يعيش البرابرة في الطمأنينة والرخاء". وكان هذا الموقف صفعة لقرن كامل من البناء والتشييد الاستعماري وصدمة للأوصياء على الحضارة. وكان ما قاله "الكورْبيزْييه" هو عين الحقيقة، لكن فات الأوان...
مع ذلك، كان من النخبة الأوربية الكولونيالية مَنْ فَهم هذا الواقع وناضل من أجل تغيير الذهنيات وحماية العمران الإسلامي وحتى الاستلهام منه منذ النصف الثاني من القرن 19م... لكن خدمةً لفرنسا وليس انشغالا على الجزائر كما قد يعتقد البعض.
وكانت الحركة التي قام بها هؤلاء المثقفون وراء حماية العديد من القصور والدّويرات والحصون الجزائرية التي يعود تاريخها إلى العهد العثماني واستمرار وجودها حتى اليوم. بل تعدى تأثيرهم مجال حماية التراث، وحفز عدد من المهندسين المعماريين وحتى السياسيين على تجميل المدينة الأوربية، أو "الجحور"، حسب تعبير "الكوربيزييه"، ببنايات مستلهمة من النماذج المعمارية القصبجية المحلية.
هؤلاء المثقفون هم المستشرق الباحث في علم الآثار هنري كلاين (Henri Klein) الذي أسس في سنة 1905م "لجنة أصدقاء مدينة الجزائر العتيقة"، المهندس المعماري الإنجليزي بوكنال (Bucknall) الذي زار المدينة لأول مرة في سنة 1873م وافتتن بجمال القصور المحلية والتصور العام لقصبة الجزائر وارتباطها الوثيق والمنسجم بالبحر، آل فيدال (Les Vidal) الذين جاؤوا من جزيرة مينورقة في 1840م وأصبحوا بعد نصف قرن من أعيان المدينة وأشهر مهندسيها المحبين للتراث المعماري القصبجي، وكذلك المهندس الشهير "غيوشان" (Guiauchin) الذي تأسف في كتابه Alger في سنة 1905م عن "تلطيخ" و"تمزيق" النسيج المعماري للمدينة الإسلامية؛ قصبة الجزائر...
"لا تحجب الشمس عن جارك"
كانت هذه المجموعة النخبوية من بين القلة القليلة الأوربية التي فهمت مبكرا بأنه ليس أليق لمناخ المدينة من الهندسة المعمارية المحلية ومبادئها الفلسفية، وليس أقبح وأكثر تعارضا معه من التصور المعماري للمدينة الأوربية. وأدركوا سر ضيق أزقة القصبة والتواءاتها وعدم انتظامها، وسر أنفاقها (أو سباطاتها) المظلمة هي الأخرى ودروبها، وكذلك الحكمة من صغر وضيق نوافذها، وتَوَجُّه دْويرَاتها وقصورها نحو "وسط الدار" وإعراضها عن العالم الخارجي... وهي كلها خصائص تُلطِّفُ من حرارة الجو شبه الدائمة من شهر أفريل حتى شهر نوفمبر، وتُسَهِّل تهويتها، وتُطَبِّق الحديث الشريف القائل: "لا تحجب الشمس عن جارك". لكن بقيت هذه النخبة في حاجة إلى عنصر ينظم طاقاتها الفردانية المبعثرة هنا وهناك في مشاريع متكاملة، لكن صغيرة، حتى جاء "جونـار" إلى رئاسة الحكومة العامة ما بين 1898م و1900م، ثم من 1903م إلى 1911م وفي 1919م ليقوم بهذه المهمة ويَكُون الغطاء السياسي لإعادة الاعتبار للفلسفة المعمارية الجزائرية - العثمانية في قلب المدينة الجديدة الأوربية. وقد تزامن مجيئُه مع الإقبال الكبير للأثرياء الإنجليز على السياحة والإقامة في مدينة الجزائر وطلبهم المتزايد على القصور المحلية العتيقة و"الجنانات" المنشرة في ضواحي المدينة.
لم تكتف سياسة جونار في هذه الفترة بترميم القصور العتيقة وإعادة تهيأتها، بل شجعت المهندسين المعماريين المعجبين بها على تقليدها في إنجاز المشاريع العمرانية الجديدة، بالإضافة إلى القيام بنشاط إعلامي واسع للتعريف بالآثار العثمانية وبما تبقى من قصبة الجزائر. وقد كان هنري كلاين أبرز الذين قاموا بهذه المهمة الأخيرة من خلال مجلته المعروفة Feuillets d’El-Djazair (أوراق الجَزايَرْ).
ثمار الاستشراق المعماري
بمجرد حلول سنة 1904م، بدأت سياسة جونار تُؤتي ثمارها، رغم انتقادات الكولون المتطرفين الذين وصفوه بـ: "الأنْديجانوفيلْ"، وتم تدشين أول بناية مستوحاة من الفن المعماري الجزائري في يوم 6 أكتوبر 1904م تمثلت في المدرسة الثعالبية الواقعة قرب ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي في شارع ابن شنب بالقصبة، وهي من توقيع المهندس المعماري الفرنسي Petit. ثم تلتها إنجازات أخرى سوف تصنف فيما يعرف بالهندسة المعمارية الموريسكية الجديدة (Architecture Néo- Mauresque) كمقر جريدة Alger-Républicain، قَبْل أن يتحول إلى مطبعة الحزب بعد الاستقلال، في سنة 1906م من طرف نفس المهندس، والذي مايزال قائما إلى اليوم قبالة فندق ألْبيرْ الأول في زاوية شارع باستور ونهج خميستي حيث يقع اليوم مقر صحيفة "ثوت الأحرار".
وفي سنة 1909م انتهى Petit من وضع اللمسات الأخيرة على بناية "الأروقة الجزائرية" الضخمة بشارع العربي بن المهيدي، قبل أن ينافسه من الناحية الجمالية والفخامة زميلاه Voinot و Tondoire بالتحفة المعروفة بـ: "البريد المركزي" (La Grande Poste) في سنة 1910م. ثم واصلت البنايات الموريسكية الجديدة احتلال الشوارع والساحات الرئيسية بالمدينة الأوربية في العاصمة، فظهر بالتالي مقر "ولاية الجزائر" بشارع عَسْلة حسين، مقر بلدية الأبيار وبريدها، الكنيسة الأنجليكانية التي أنجزها بوكنال في 1909م بمفترق طرق أديس أبابا، فندق سان جورج (الجزائر حاليا) بتوقيعٍ من آل غيوشان، وجزء من قصر الشعب، بالإضافة إلى دار الذكرى المائوية لاحتلال الجزائر (La Villa du Centenaire) التي بناها المهندس Claro في سنة 1930م بالباب الجديد بالقصبة العليا بمساعدة سكان القصبة.
سوف تؤدي هذه الحركة المعمارية التي حركها جونار إلى بروز موضة الفيلات الموريسكية الجديدة التي بناها الأثرياء الكولون، الإنجليز والأمريكيين بين الأبيار وتيليملي وحيدرة التي مازالت حية تُرزق إلى يومنا هذا. كما عبدت الطريق للمهندس كلارو ليضع بمدرسة الفنون الجميلة بتيليملي أُسُسَ عمران جديد يمزج بين الفلسفتين المعماريتين الجزائرية العتيقة والفرنسية. وسرعان ما تجسدت هذه الفكرة في البنايات الجميلة المحيطة بأعالي شارع محمد الخامس وأغلب بنايات شارع كلود ديبيسي، والتي تعتمد على نموذج العمارة الأوربية في جوهرها وعلى الزخارف الإسلامية من حيث الشكل كما يبدو في أشكال النوافذ والأبواب الرئيسية.
لكن الغريب في الأمر أن هذه الحركة العمرانية الموريسكية الجديدة التي بدأت تستنفذ أنفاسها وطاقاتها منذ 1930م توقفت تماما بعد الاستقلال باستثناء بناية معهد العلوم الاقتصادية بالخروبة التي بناها المهندس بوشامة في السبعينيات وقصر الثقافة في الثمانينيات. كما أن ذلك الثلث المتبقي من القصبة عن التهديمات الواسعة التي قام بها الاحتلال في القرن 19م لم يبق منه اليوم شيء كبير يُذكر...في الوقت الذي كثر "أصدقاء القصبة" ومحاموها... بل وفاضوا عن الحاجة !
المصدر: قصبة الجزائر، الذاكرة، الحاضر والخواطر: فوزي سعد الله

الثلاثاء، 24 فبراير، 2015

مطارق الحرفيين تنحت آخر نقوشها على النحاس في الجزائر




مدن جزائرية عريقة تشتهر بصناعة النحاس إلا أن غزو المنتجات الصينية للسوق المحلية يدفع أصحاب الورشات إلى دق ناقوس الخطر.
العرب  صابر بليدي

الصناعات التقليدية والحرف اليدوية في الجزائر ينتظرها مستقبل مجهول، خاصة أمام صمت السلطات المسؤولة وغياب إستراتجية ناجعة لتطوير القطاع وترقيته.
تسير الصناعات التقليدية والحرف اليدوية في الجزائر نحو الانقراض، بسبب العديد من المعوقات التي باتت تهدد عشرات الورشات ومئات العاملين إلى تغيير وجهتهم، فهناك اجتياح صيني للأسواق المحلية وارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة تسويقه، في ظل ارتباط النشاط بشكل كبير بقطاع السياحة المعروف هو الآخر بتدهور أوضاعه.
وتشتهر العديد من المدن العريقة في البلاد كالعاصمة وتلمسان ووهران وقسنطينة بصناعة النحاس، نظير العادات والتقاليد الاجتماعية التي تفرض الأواني والقطع النحاسية في المناسبات الكبرى كالأعياد وشهر رمضان والأعراس والولائم العائلية، إلا أنه وأمام غزو المنتجات الصينية للسوق المحلية بأسعار جد تنافسية يدفع الكثير من أصحاب ورشات صناعة النحاس ونقشه والعاملين فيه إلى دق ناقوس الخطر أمام كساد بضاعتهم، فرغم جودتها ودقة تصميمها ونقوشها، إلا أن معادلة تكلفة الإنتاج والأسعار تميل بشكل كبير لصالح الصينيين.
وبدت ملامح الحزن على وجه إدريس زولو وهو جالس بورشته بدار الصناعة التقليدية بحي باب الواد بالعاصمة، مداعبا النحاس بأنامله ويفكر في مصير هذه الحرفة المهددة بالزوال بعد أن إمتهنها منذ سن الـ13.
ويرجع إدريس أسباب تراجع مهنة صناعة النحاس إلى “ندرة المادة الأولية وارتفاع تكلفتها وعدم اهتمام السلطات الحكومية بهذه المهنة “.
وأوضح الحرفي وهو يستذكر الماضي بحنين لـ”العرب” بالقول ” كانت المحلات الصغيرة لصناعة النحاس في القصبة السفلى ملتصقة ببعضها لكثرة عددها مما يدل على ازدهار المهنة، وكانت الطلبات تتوافد من كل مكان ومئات العائلات بالعاصمة بل الآلاف في مدن أخرى كانت تعيش من هذه المهنة “.
وأضاف متأسفا أن وضعية مهنة صناعة النحاس لم تعد كما كانت في السابق وعدد الحرفيين تضاءل مقارنة بما كان عليه لدرجة أنه لم يتبق منهم بدار الصناعة التقليدية سوى ثلاثة أشخاص على أقصى تقدير.
وتابع إدريس “لقد تم استبدال العمل اليدوي لصناعة النحاس بالآلات، وزاد نقص الإمكانيات من تفاقم الوضع، فلم تعد لدينا نفس الإمكانيات التي كنا نتوفر عليها في السابق، وأن الكثير من الحرفيين توجهوا نحو مهن يدوية أخرى بسبب ارتفاع ثمن المادة الأولية”.
واستطرد الحرفي “في النهاية نجد أنفسنا غير قادرين على التكفل بالأجيال الصاعدة التي تبدي إرادة قوية في تعلم هذه المهنة الشريفة. وصناعة مختلف الأدوات النحاسية من قطع تزيينية أو أواني طبخ كانت فن عيش ونمط حياة ومهنة متجذرة عند آبائنا وأجدادنا منذ القدم”.
وفي مدن عريقة كالجزائر العاصمة وقسنطينة وعنابة وتلمسان وغيرها كان “إفطار رمضان ومناسبات الأعياد والولائم العائلية والأعراس لا تقدم سوى في أطباق من نحاس، ولا يمكن ارتشاف الشاي إلا من إبريق من النحاس ولا يشرب الماء المعطر بالياسمين إلا من آنية نحاسية”.
وبنبرة من الحزن على الزمن الجميل، يتوقع الحرفي أن تندثر حرفة صناعة النحاس في أقل من 10 سنوات بسبب عدم تناقل المهنة بين الأجيال، نظرا لعدم مردوديتها، فالشباب الذين تكونوا على يديه وأيدي غيره غادروا إلى وجهة أخرى، لأن النحاس الصيني قضى على النحاس الجزائري الأصيل.
ويرى إدريس زولو أن ما يفاقم الوضع أكثر هو غياب السياح الذين كانوا ينعشون هذه الحرفة إلى غاية التسعينيات من خلال الطلب الكبير عليها، ويقول “كان باستطاعتنا خلال تلك الحقبة تصدير بعض منتجاتنا نحو الخارج خصوصا نحو فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وقد مثلت الجزائر في عدة معارض دولية ثقافية وأخرى خاصة بالصناعات التقليدية بكل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية”.
وتقول عائلات عريقة في العاصمة الجزائرية “من يرى الآن لا يصدق أن حي القصبة كان يحتضن سوقا كبيرا ورائجا لصناعة النحاس يقصده الزوار والزبائن والسياح من كل مكان”، ويذكر محمد الذي تجاوز عقده الثامن أنه “خلال العقود الماضية كانت حرفة صناعة النحاس في القصبة رائجة بشكل كبير وسوقها يستقطب يوميا مئات الزوار والزبائن والسياح الأجانب”.
وأضاف “صناعة النحاس في الجزائر تعود إلى العهد العثماني، حيث استقدم العثمانيون الحرفة إلى الجزائر وفتحوا لها ورشات ومحال، وتمكن الجزائريون من التحكم في الحرفة بالاحتكاك اليومي في الحي الذي كان عاصمة لهم، ولذلك توسع النشاط وانتقلت الحرفة إلى العديد من المدن مثل قسنطينة وتلمسان وبعض الأحياء الأخرى من العاصمة، ومع الاحتلال الفرنسي للبلاد في عام 1830 وخروج العثمانيين استمر الجزائريون في النشاط وحققت الحرفة رواجا كبيرا إلى غاية السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات، إلا أنه ومع ظهور المنتوج الصيني وتغير العادات الاجتماعية للجزائريين وتراجع أعداد السياح، أصيبت صناعة النحاس بنكسة كبيرة”.

وتابع “من لا يعرف القصبة لا يصدق أن الحي كان يضم سوقا معروفة ورائجة للنحاس، ولا يصدق أن ورشات ومحال النحاس كانت تصطف وراء بعضها البعض. الكل هجر الحرفة وضيعت القصبة أحد

الأحد، 22 فبراير، 2015

العلامة سي امحمد بن رحال.. أول جزائري يحصل على البكالوريا في القرن 19


ولد العلامة سي أمحمد بن رحال يوم16ماي1858 في مدينة ندرومةبتلمسان وعاش في وسط عائلي مثقف كان الوالد أغا ندرومة الملقب بالحاج حمزة بن بشير بن رحال وامه تدعى زهرة غماري, نشأ العلامة في منطقة جبل فلاوسن بسلسلة طرارةالمشهورة بكونها قلعة للموحدين, أنشأها عبد المؤمن بن علي-في القرن الثاني عشر الميلادي- في موقع قرية أمازيغية صغيرة..
ينتمي سي أمحمد بن رحال إلى أسرة عريقة في الثقافة والسؤدد، اشتهر أبناؤها بتولي مناصب الإمامة والتعليم والقضاء، أما والده أبوه حمزة فقد تولى منصب القضاء بندرومة في عهد الأمير عبد القادر وساهم في إعادة تنظيم العدالة الإسلامية في الجزائر ، ليتولى بعده منصب الأغا وبعد مدة قدم استقالته في سنة1878م سانحا لابنه سي محمد تبوأ هدا المنصب المذكور سالفا وتجدر الإشارة انه والد سي امحمد كانت له مكتبة ثرية لمجموعة من المراجع الدينية الثقافية التاريخية و القانونية وقد شرع في تأليف تاريخ مدينة ندرومة باللغة العربية في سنة1848م ثم أعاد ترجمة الكتاب من العربية إلى الفرنسية ابنه سي أمحمد في سنة1877م. اهتم والده بتربيته وتعليمه, فأدخله إلى المدرسة الرسمية الأولى المزدوجة اللغة بندرومة التي افتتحت أبوابها سنة1865 ، وبموازاة ذلك كان سي أمحمد بن رحال الطفل يتردد على كتّاب حيّه، أين حفظ القرآن الكريم كما تشرّب الثقافة الصوفية من محيطه الاجتماعي والزاوية الدرقاوية، ثم انتقل إلى مدينة الجزائر لمواصلة تعليمه بثانوية الإمبراطورية، حيث كان له الشرف بنجاحه في شهادة البكالوريا كأول شاب جزائري سنة1874م وكان يبلغ من العمر16سنة. هذا وقد مكّنه مساره الدراسي الرصين من امتلاك ناصية اللغة الفرنسية دون أن ينبهر بثقافتها, الأمر الذي مكّنه من تقلد منصب خليفة أغا سنة 1876م وبعد تولى قيادة ندرومة بمنصب قائد1878م. وبصفته مساعد في المجلس العام إذ حظي بشرف إلقاء خطاب رسمي تضمن 3صفحات باللغة الفرنسة بمناسبة استقبال رئيس الجمهورية الفرنسي(أيميل لوبي) بتلمسان في شهر أفريل1903م وبدأ الخطاب بهده الجملة الترحيبية( الملكة العتيقة للمغرب……عاصمة بني زيان القادمة ترحب بكم…) وكان فحوى الخطاب يتمحور حول مطلب رئيسي ألا وهو عدم الإدماج وعدم المواطنة ولكن المطالبة بتمثيل سياسي في البرلمان.
‫#‏حادثة_مثيرة‬ :
وحسب مرجع من تأليف الشيخ المرحوم محمد بن عمر جباري حيث سلط في كتابه(ندرومة مدينة صغيرة أسماء كبيرة) أن سي أمحمد تلقى دعوة من السلطات الفرنسية بزيارة المعرض الدولي المقام بباريس سنة1878م حيث انبهر بعاصمة الأضواء باريس حيث خص باستقبال خاص واحتك بهذه المناسبة بشخصيات مرموقة .
وللتاريخ وأثناء سفريته هذه وقعت له حادثة في القطار وبينما كان جالسا وبصدد نزعه لحذائه لأخذ قسط من الراحة أذ تفاجأ بتهجم لفظي من طرف سيدة فرنسية تلومه على هدا التصرف,فرد عليها بقوة وباللغة الفرنسية متحكما في أبجديات الخطاب موجها لها درسا أخلاقيا وأدبيا من حيث نظافته وأن الدين الإسلامي يحث على كل مسلم القيام بالوضوء 5مرات في اليوم حيث واصل في رده قائلا(أنا متيقن أن رجلي أنظف من جسمك ككل) وبعد دلك أبهرت السيدة الفرنسية لدى وصول سي أمحمد إلى محطة وصول القطار حيث خص باستقبال رسمي من طرف السلطات الفرنسية وللإشارة فان سي أمحمد كان يرتدي اللباس التقليدي الجزائري على غرار هيئة الأمير عبد القادر.وقد وافته المنية بندرومة يوم6أكتوبر1928م وقد حضر مراسيم الجنازة ممثل أعلى ممثل الإدارة الفرنسية بالجزائر العاصمة.

المرجع: http://www.altahrironline.com/ara/?p=33094

الأحد، 15 فبراير، 2015

يهود الجزائر.. موعد مع الرحيل



"....لقد سكن الأغنياء اليهود بعد العشريتين الأوليْين للاحتلال في الأحياء الأوروبية الجديدة، بصورة تدريجية، خارج المدن القديمة في كبريات المراكز الحضرية الجزائرية.
"في مدينة الجزائر أصبحت الأحياء ذات الكثافة اليهودية الأكثر أهمية تتمثل في ساحة الحكومة (ساحة الشهداء حاليا) حتى ساحة بورسعيد (Square Bresson) (مرورا بباب عزون).
في شرق شارع عماّر علي (حاليا) (randon)، شمال ساحة بورسعيد الحالية (Bresson)، كان اليهود يُشكّلون في بعض الشوارع 70% إلى80% من السكان أما البقية فيكون أغلبها عادة أوروبيين أو مسلمين حسب الأحياء. وكلما ابتعدنا عن باب الوادي تتناقص هذه النسبة إلى أن تصبح عادية في الأحياء الجديدة بنسبة 4 %".
يهود الجزائر العاصمة سكنوا بصورة عامة منذ مطلع القرن 20م خارج المدينة العتيقة. يتذكر هنري شمْوِيّي بحنين أنهم أقاموا في الأبيار، وفي نواحي مصطفى (أي جنان مصطفى باشا، أي منطقـــة ساحـــة أول مـــاي حتى قصــر الشعــب وتيليملي)، وفي وادي القناصلة (la Vallée des consuls)، وفيSaint-Eugéne (بولوغين)..، مضيفا بأنه "في 1860 لم يوجد واحد من بين عشرين يهوديا لم يولد في هذه الجهة السفلى من المدينة العربية التي نسميها مجازا "القصبة السفلى". هذه القصبة اليهودية كان شكلها شكل مضلع يحده في أعاليه شارع مارانغو (Marengo) وشارع راندون (Randon) المتواصلين ببعضهما البعض، ومن جهة الميناء شارع باب الوادي وشارع باب عزون. الجزائر القديمة كانت تنتهي عند هذه الباب. من الجهة الأخرى كانت المدينة تتوقف عند شارع متصاعد هو شارع القصبة"( )، وبعد شق الطريقين الكبيرين اللذَيْن يشكلان شارعي عماّر القامة (Chartre) وبوزرينة (La Lyre)في قلب القصبة في عهد الاحتلال أثناء العشريات الأولى، يضيف شمويّي، ارتحل الكثير من اليهود إلىle quartier de la Régence (حي الإيالة) وهو ساحة الشهداء الحالية، خصوصا إلى حي البحرية الواقع بين شارع باب الوادي والبحر، وهو اليوم غير موجود، أين كانت توجد أول مدرسة للفنون الجميلة ومعهد يهودي بشارع دوريــا (Doria) المحـــاذي لشــارع أورليــان (la rue d’Orléans)، وشــارع فيلــيب (la rue Philippe) حيث كانت تسكن إحدى جدات الكاتب هنري شمْوِيّي. ثم بعد التعديلات العمرانية التي تمت على حساب القصبة السفلى أصبح شارع بوزرينة (La Lyre) محور الحي اليهودي وعصبه التجاري بدون منازع.
كتب شمْوِيّي: "أسماء الشوارع اليهودية في الجزائر القديمة! كلها موسيقى، شعر، وتاريخ. سوف أذكرها لإرضاء رغبتي في ذلك فقط. شارع الديوان (Rue du Divan)، Rue Carton، شارع بن عاشر (Rue Ben Acher) الذي تفرنس ليصبح شارع Benachére، شــارع بومبي (Pompé rue)، rue des gétules، rue solférino، rue de Nemours، شـــارع وهـــران (Rue d’Oran)، شـــارع ســــوق الجـمعــة (rue souk-el-Djemâa) الذي تحوّل إلى rue Socgémah حيث كانت تملك عائلة بكري في عهد الإيالة منزلا فاخرا جعل منه الفرنسيون لذلك أول "دار البلدية" لمدينة الجزائر. Rue Bruce، Rue Charlemagne، rue du Lézard، rue Juba، rue Boutin، rue Salluste, Regard du rue، rue Emile Maupas، حيث فتحت الطائفة في عهد vichy ثانويتها قبالة المكتبة الوطنية القديمة، وقليل نحو الأعلى في شارع Scipion بين باب عزون وشارع Chartre كانت هناك كنيسة يهودية معروفة ﺒ:"الحارة" أو معبد jaïs..."( ).
يواصل شمْوِيّي رحيله عبر الذاكرة التي توقفت مادتها الجزائرية سنة1962 ليتذكر بدقة الأحياء والشوارع والمعابد التي كان يتردد عليها اليهود ويشكلون أبرز، أو أحد، عناصر هويتهاLa rue Sainte (الشارع المقدس) تحمل دلالة عميقة بالنسبة إليه ولطائفته لأنها مقابلة للمعبد السابق الذكر وموازية له ويوجد بها معبدان آخران هما صرفاتي (Sarfati) و(ابن تُوّة) (Aben Toa)، بشارع Médée الذي بُني تكريما وتخليدا للحاخام نيهوراي أزوبيب (Néhoraï Azoubib)، وآخر بشارع Boutin يحمل اسم غوغنهايم (Gugenheim) أحد رؤساء المجلس الملي الجزائري الأوائل. لكن أبرز معلم ديني ليهود المدينة هو المعبد الكبير بشارع عمار علي (Randon) الذي يحمل اسم الحاخام الكبير أبراهام بلوش Bloch) (Abraham والذي دام بناؤه من 1897 إلى 1907 والذي تحول حاليا إلى مسجد بن فارس أو "جامع اليهود". كما كانت معابد أخرى أيضا شاهدة على التوزع اليهودي الجغرافي عبر أحياء المدينة ودرجة كثافتهم داخلها وخارجها مثل معبد Chaloum Lebar (سلام لَبْحَرْ) بشارع Dijon بباب الوادي، ومعبد شارع Suffren، ومعبد Saint Eugéne - (بولوغين)، ومعبد بلكور، والمعبد الضريح Temple Kaoua الواقع فيAllée des Muriers ومعبد Chouraqui (الشراقي) بشارع داروين (Darwin).
لكن ما بين الحربين العالميتين رحل اليهود عن هذه الأحياء القديمة بالمقارنة مع تلك التي ظهرت إثر توسيع المدينة نحو الشرق والجنوب الشرقي مثل Rue d’Isly (شارع العربي بن مهيدي) وRue Michelet (شارع ديدوش مراد) وحي Télémly (شارع كريم بلقاسم) وحيدرة... وغيرها، تاركين إياها شيئا فشيئا للمسلمين.
تَحسُّن الأوضاع المادية لليهود وسّع طموحاتهم وحاجاتهم( ). مرسوم كريميو كان بمثابة عصا موسى، عليه السلام، السحرية. هجرة اليهود من الأحياء والشوارع القديمة بدأت مع جيل الشباب بعد 1860 نحو باب الوادي وما يليها أو نحو باب عزون وما بعدها نحو الشرق، حتى وصلوا مع مر السنين إلى شارع ديدوش مراد (Rue Michelet) شرقا..، وحتى la Cantére وBasséta من الجهة الغربية حتى أصبح كما يقول شمْوِيّي، 3/1 سكان باب الوادي في 1962 يهودا...".
فوزي سعد الله: يهود الجزائر...موعد الرحيل. دار قرطبة. الجزائر

الجمعة، 6 فبراير، 2015

خبز الفوقاص.. قصة الوافد الذي احتضنه الجزائريون

"الذي لم يأكل خبز "الفُوقَاصْ" (Fougasse)...يْمُوتْ فَرْطَاسْ"!!!

قبل بضعة عقود، كان لا يزال يزين رفوف المخابز العاصمية كل صباح ويلقي إقبالا واسعا من طرف الشيوخ والأطفال أكثر من خبز "السّْكُوبِيدُو" و"البَارِيزْيَانْ" (Parisien) أو "البَاقِيطَة" (Baguette)...
اليوم لا أثر له فيها بعد غزو الأفران الكهربائية ذات الحركة الدائرية (الروتاتيف).
صحيج أن "الفُوقَاصْ" (Fougasse) "بَرَّاني" عن قصبة الجزائر وعن كل الجزائر، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر عليه اندماجه الناجح، الذكي والهادئ في البلاد رغم تهديده الخطير والعدواني في بداية عهده بالجزائر لخبز "المَطْلُوعْ" و"خبز العْرَبْ" و"الكَسْرة"، وحتى "خبز الدَّار" الأهلي الذي يُقال إنه دائما من نصيب "البَرَّانِي"... كما لا يمكن رغم هذا العدوان الحضاري إنكار لُطفه وكرمه القائم على المعاملة بالحسنى لكل الأسنان والأفواه البشرية دون تمييز عرقي أو ديني، حتى في عهد الاستعمار. وهكذا، نجح التسلُّل إلى القلوب دون دقٍّ على الأبواب... وهذا جزاءُ المُحسِنين إلى أفواه الأطفال والعجزة.
من بين أنواع الخبز الكثيرة التي عرفتها البشرية منذ أن اكتشف الفراعنة الخميرة في العام 2600 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، "الفوقاص" خبز لَمع وتميَّز عن "زملائه" بالليونة والحنان وبالرفق بالذين يجدون صعوبة في المضغ وبالتعاطف والتضامن مع الأفواه المنكوبة التي هجرتْها أضراسها وأسنانها.
دخل الجزائر عن طريق عاصمتها مع المحتلين الفرنسيين ليكتشف شعبا محافظا وشديد التمسك بأصالته حتى في جانبها الخبزي. لم يتمكن في البداية من إقناع البطون الجزائرية بالإقبال عليه لأسباب سياسية – روحية أكثر منها منفعية، لأن أهل البلاد تعاملوا بحذر شديد مع كل ما صدر عن الاستعمار وثقافته "الكافرة" وبقوا شديدي التمسك بخبزة البوزاعي وخبز العرب والكسرة والرغيف وغيرها من انواع الخبز المحلي. لكن الذين تجرأوا على مخالفة التقاليد والمغامرة بتجريبه، لم يصمدوا بعدها أمام جاذبيته ورقته ولذته وحتى جماله المتميز.
الفوقاص الذي استعار الجزائريون اسمه من سكان الضاحية الباريسية ،الذين كانوا أول من أطلقوا عليه هذه التسمية عندما كانت باريس تسميه خبز الحليب، كسر قيود الحيطة والحذر المتبادلين بين المحتلين والأهالي المسلمين ليصبح قناة للتبادل الحضاري بين فرنسا المسيحية والجزائر المسلمة، لذلك لن ينتظر كثيرا بعد الغزو العسكري لمدينة الجزائر وسهل المتيجة كي يستقطب بعض الأهالي ويحتل شيئا فشيئا صدارة رفوف "الكواشين" المسلمين كل صباح.
الفرنسيون الذين لم يكتشفوه بدورهم إلا في نهاية القرن التاسع عشر على يد الخبازين النمساويين، الذين استقروا بأعداد كبيرة في باريس في هذه الفترة، حافظوا على التقاليد الاستهلاكية النمساوية لهذا المنتوج، بحيث كان يُتناول مع فطور الصباح مصحوبا بالحليب.
كما احترموا العناصر والمقادير التي تدخل في صنعه وهي الفرينة، الملح، الخميرة، المواد الدسمة، السكر ومسحوق الحليب بالإضافة إلى الماء. أما الفرنسيين "التْشِّيتْشِيِّين" فقد صنعوه من الفرينة والملح والخميرة والسُّكر ودعَّموه بالزبدة والبيض والحليب السائل.
لكن مدينة الجزائر التي كانت أول من تفتحت على الفوقاص في البلاد، بِحُكْم احتكاكها المُبَكِّر بالاحتلال، فقد كَيَّفَتْهُ مع ظروفها المحلية، فحَرَمتْهُ من الحليب والبيض والزبدة ومختلف العناصر التي تُعتبَر كمالية عند الأهالي الذين أفقرتْهم سياسة الاستعمار، ووَسّعتْ مجال استهلاكه إلى جميع وجبات الأكل اليومية وجميع الأطباق، بما في ذلك الشربة واللُّوبْيَة (الفاصوليا) وأخواتها. ثم حَصَرتْهُ من الناحية الاجتماعية في شريحة المُسنين والأطفال، ولم تعط أيَّ اهتمام لِجذوره التاريخية الأرستقراطية التي بدأت من مدينة فيينا النمساوية التي كانت مركز إشعاع حضاري كبير في أوربا في القرن 19م.
وبالتالي أصبح الفوقاص في الجزائر خبزة شعبية حتى قيل "اللِّي مْا كْلاَ الفُوقاص يْوَلِّي فَرْطَاسْ"، بل أصبح أصبح خبزةً بروليتارية، متفتحة على جميع الطبقات الاجتماعية وعلى جميع الطوائف الدينية والجماعات العرقية، لأن "لا فَرْقَ بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"... ففتح له الأهالي بيوتهم ونصبوا له موائدهم برحابة صدر لم تتشرف بها بقية الإبداعات النمساوية في هذا المجال، مِثل "البَرْيُوشْ" (Brioche) والخبز الصغير بالشكولاطة (Petit pain au chocolat) والكَرْوَاسَانْ (Croissant)، أو الكرواسان المحشي (Croissant fourré)...إلخ. وباعه الخبازون بأسعار ادنى من أسعار الخبز العادي و"النمساويات" (viennoiseries) الأخرى التي بقيت تنتمي إلى عالم الكماليات إلى يومنا هذا.
ملأ الفوقاص مخابز الجزائر إلى وقت قريب، بما فيها مخبزة والدي، وخَفَّف على المُسنين و"الفَرْمَاشِينْ"، الذين قصف الدَّهر أسنانَهم وأضراسهم بنوائبه، عناء المضغ بدون عتاد المضغ، لكن التطور التكنولوجي والمنافسة التجارية بين الخبازين طردتْ الفوقاص من المخابز، وبدأ يختفي من السوق منذ أن بدأت "الكُوشات" الحَجرية القديمة تختفي لتحل محلها الأفران الحديثة الكهربائية. وكلما انهارت "كوشة" من هذه "الكوشات" تاركةً مكَانَها لـ"الرُّوتاتيفْ" (Four rotatif) خسر شيوخ الجزائر سلّات من من الفوقاص، ودون أدنى شك حزنتْ أفواههم...
لكن، كما يقول أهل الظُّنُون، ما ذا لو يكون جرَّاحو الأسنان وراء المؤامرة ضد الفوقاص في هذا الزمن، الذي تضاعفت فيه المؤامرات بشكل غير معهود، ليبيعوا الشيوخ طواقم الأسنان الاصطناعية...؟
بقلم: الأستاذ فوزي سعد الله

الخميس، 5 فبراير، 2015

تيكجدة... قبلة السياحة الشتوية والربيعية في الجزائر



على ارتفاع 1700 متر على مستوى سطح البحر تتربع تيكجدة على عرش جبال جرجرة بمنطقة القبائل على بعد 100 كلم شرقي العاصمة الجزائرية، في عز وكبرياء نظير ما وهبها الخالق من جمال خلاب وطبيعة جذابة تجتمع فيها أشجار الأرز والفلين والبلوط والصنوبر الحلبي والصنوبر الأسود الشامخة، وتقطع صمتها الرهيب أصوات النسور الملكية والطيور والثعالب والضباع وقردة الماغو، وتمنح زائريها فرصة الاستمتاع ببانوراما نادرة تمتزج فيها زرقة السماء وبياض الثلج وخرير المياه.
وتقع منطقة تيكجدة السياحية على حدود محافظتي البويرة وتيزي وزو بمنطقة القبائل، وهي إحدى الحظائر الطبيعية المدرجة في نطاق المحميات الطبيعية في الجزائر، حيث صنفت عام 1935 (حقبة الاستعمار الفرنسي) ضمن الحظيرة الوطنية، وفي عام 1998 تم تصنيفها ضمن التراث العالمي البيئي.
وتعتبر وجهة سياحية بارزة في البلاد نظير الكنوز التي تحتضنها خاصة في فصلي الشتاء والربيع، ومقصدا مهما لممارسة الرياضات الجبلية كالتزحلق على الثلج وتسلق الجبال والركض وحتى لممارسة بعض الرياضات الجماعية، إلى جانب الراحة والاستجمام للزائرين الذين يقصدونها من مختلف ربوع الجزائر.
تيكجدة التي تكتنز لوحات ومشاهد طبيعية نادرة يعجز كبار الفنانين على استنساخها في لوحاتهم التشكيلية، تحمل أسرارها في ثناياها الساحرة التي تحتم على زائرها العودة إليها أو نصح رفاقه باكتشافها، لأن قضاء ساعات أو أيام بين ظهرانيها يعوض الفرد عناء ومشقة الحياة ويريحه من ضغوط وضجيج المدن، هذا إذا لم تكن مستقبلا إحدى توصيات الأطباء لمرضاهم. وتستقطب منطقة الفنادق على مدار أيام السنة، أعدادا متواصلة من السياح الأجانب والمحليين، طلبا لإقامة هادئة تبعث السكينة وتفتح المجال للخروج لاكتشاف عدة مواقع سياحية، يستلزم الوقوف عندها زيارات متكررة.
وإذ يجمع روادها من الأجانب المرتبطين ببعض المشاريع التنموية في ربوع المحافظة من جنسيات أوروبية مختلفة، على أن مناظر كتيكجدة لا نظير لها في أوروبا، إلا أن نوعية الخدمات والمرافق التي يضطلع بها العنصر البشري تبقى بعيدة عن مستوى ما تقدمه الطبيعة للإنسان.
ويقول العارفون بأسرار تيكجدة إن من لم يزر مغارة ”أسول” لم ينل شيئا من زيارته للوجهة لما لهذا المكان من جاذبية وإبهار، فالمغارة العميقة التي تستوقف المنبهرين بإعجاز الخالق عز وجل في نحته لـ”هوة النمر” التي يصل عمقها 1007 أمتار وهي أعمق هوة في أفريقيا، وبالقرب منها مغارة الجليد التي يزيد عمقها عن 230 مترا، وهي عبارة عن مغارات عمودية تحتفظ بكميات من الثلوج حتى في عز فصل الصيف، مما يبعث هواء منعشا وحرارة معتدلة في، وتعد مصدر رزق لمن يعرفون بـ”تجار الثلج” في فصول الصيف.

وتبقى أرقام الاستقطاب وطاقات الاستيعاب بعيدة عن أفق الطامحين، للتوفيق بين “هدية” إلهية للمنطقة وبين واجب الإنسان في تثمين ثروته الأزلية، فالعشرون ألف زائر على أقصى تقدير في السنة وهياكل ومرافق لا تلبي رغبات الزائرين، لا تعكس قيمة الوجهة وندرتها في العالم، التي تبقى في حاجة إلى “انتفاضة” حقيقية للنهوض بتيكجدة سياحيا وتراثيا وطبيعيا والاستفادة من ريعها الأزلي بدل “صداع” الغاز الصخري.