بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 5 فبراير 2015

تيكجدة... قبلة السياحة الشتوية والربيعية في الجزائر



على ارتفاع 1700 متر على مستوى سطح البحر تتربع تيكجدة على عرش جبال جرجرة بمنطقة القبائل على بعد 100 كلم شرقي العاصمة الجزائرية، في عز وكبرياء نظير ما وهبها الخالق من جمال خلاب وطبيعة جذابة تجتمع فيها أشجار الأرز والفلين والبلوط والصنوبر الحلبي والصنوبر الأسود الشامخة، وتقطع صمتها الرهيب أصوات النسور الملكية والطيور والثعالب والضباع وقردة الماغو، وتمنح زائريها فرصة الاستمتاع ببانوراما نادرة تمتزج فيها زرقة السماء وبياض الثلج وخرير المياه.
وتقع منطقة تيكجدة السياحية على حدود محافظتي البويرة وتيزي وزو بمنطقة القبائل، وهي إحدى الحظائر الطبيعية المدرجة في نطاق المحميات الطبيعية في الجزائر، حيث صنفت عام 1935 (حقبة الاستعمار الفرنسي) ضمن الحظيرة الوطنية، وفي عام 1998 تم تصنيفها ضمن التراث العالمي البيئي.
وتعتبر وجهة سياحية بارزة في البلاد نظير الكنوز التي تحتضنها خاصة في فصلي الشتاء والربيع، ومقصدا مهما لممارسة الرياضات الجبلية كالتزحلق على الثلج وتسلق الجبال والركض وحتى لممارسة بعض الرياضات الجماعية، إلى جانب الراحة والاستجمام للزائرين الذين يقصدونها من مختلف ربوع الجزائر.
تيكجدة التي تكتنز لوحات ومشاهد طبيعية نادرة يعجز كبار الفنانين على استنساخها في لوحاتهم التشكيلية، تحمل أسرارها في ثناياها الساحرة التي تحتم على زائرها العودة إليها أو نصح رفاقه باكتشافها، لأن قضاء ساعات أو أيام بين ظهرانيها يعوض الفرد عناء ومشقة الحياة ويريحه من ضغوط وضجيج المدن، هذا إذا لم تكن مستقبلا إحدى توصيات الأطباء لمرضاهم. وتستقطب منطقة الفنادق على مدار أيام السنة، أعدادا متواصلة من السياح الأجانب والمحليين، طلبا لإقامة هادئة تبعث السكينة وتفتح المجال للخروج لاكتشاف عدة مواقع سياحية، يستلزم الوقوف عندها زيارات متكررة.
وإذ يجمع روادها من الأجانب المرتبطين ببعض المشاريع التنموية في ربوع المحافظة من جنسيات أوروبية مختلفة، على أن مناظر كتيكجدة لا نظير لها في أوروبا، إلا أن نوعية الخدمات والمرافق التي يضطلع بها العنصر البشري تبقى بعيدة عن مستوى ما تقدمه الطبيعة للإنسان.
ويقول العارفون بأسرار تيكجدة إن من لم يزر مغارة ”أسول” لم ينل شيئا من زيارته للوجهة لما لهذا المكان من جاذبية وإبهار، فالمغارة العميقة التي تستوقف المنبهرين بإعجاز الخالق عز وجل في نحته لـ”هوة النمر” التي يصل عمقها 1007 أمتار وهي أعمق هوة في أفريقيا، وبالقرب منها مغارة الجليد التي يزيد عمقها عن 230 مترا، وهي عبارة عن مغارات عمودية تحتفظ بكميات من الثلوج حتى في عز فصل الصيف، مما يبعث هواء منعشا وحرارة معتدلة في، وتعد مصدر رزق لمن يعرفون بـ”تجار الثلج” في فصول الصيف.

وتبقى أرقام الاستقطاب وطاقات الاستيعاب بعيدة عن أفق الطامحين، للتوفيق بين “هدية” إلهية للمنطقة وبين واجب الإنسان في تثمين ثروته الأزلية، فالعشرون ألف زائر على أقصى تقدير في السنة وهياكل ومرافق لا تلبي رغبات الزائرين، لا تعكس قيمة الوجهة وندرتها في العالم، التي تبقى في حاجة إلى “انتفاضة” حقيقية للنهوض بتيكجدة سياحيا وتراثيا وطبيعيا والاستفادة من ريعها الأزلي بدل “صداع” الغاز الصخري.

الأربعاء، 4 فبراير 2015

“العطف”.. مدينة جزائرية تمنع السجائر منذ قرون


            
 إذا كنت من المدخنين فإن مكانك حتما لن يكون في مدينة “العطف” بالجنوب الجزائري، ففي هذه المدينة الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن 13 ألف نسمة لا يوجد أي محل يبيع السجائر، حيث يمنع أعيان المدينة وفقا لقانون عرفي يعود تاريخه لعدة قرون بيع أو تداول أو تدخين السجائر بشكل علني بها.
ويلجأ مدخنو السجائر في مدينة العطف أو “تاجنينت” كما تسمى باللغة الأمازيغية، والواقعة على بعد 600 كلم جنوب العاصمة الجزائرية، للاختباء من أجل تدخين سيجارة.
ومن أجل شراء علبة سجائر لابد على من يرغب في ذلك أن يتنقل إلى إحدى المدن المجاورة التي تبعد أقربها مسافة 7 كلم عن “العطف”، بحسب ما قاله عدد من رجال المدينة لمراسل الأناضول.ينتابك إحساس بحالة من الطمأنينة وأنت تتجول في أزقة مدينة العطف الهادئة وشوارعها التي تملأها سكينة نادرة في هذا المكان التاريخي، حيث تنتشر واحات النخيل، وما زالت الأعراف الاجتماعية القديمة تسير شؤون السكان لدرجة أنهم ليسوا بحاجة -على الأقل في الوقت الحالي- لقسم شرطة.
وتكتفي دوريات الدرك الوطني الجزائري، بدوريات قليلة في المدينة كل أسبوع للاطمئنان على أحوال السكان.وأسست “العطف” وهي إحدى أقدم مدن الجنوب الجزائري قبل اكثر من ألف سنة حيث احتفل سكانها قبل 15 سنة بمرور ألف عام على تأسيس هذه المدينة التي ينتمي 70 بالمائة من سكانها من الأمازيغ  للمذهب الإباضي، بينما توجد أقلية من العرب المنتمين للمذهب المالكي.
ويسود التعايش والتسامح في هذه المدينة، لدرجة أنها لا تحتوي إلى اليوم على قسم للشرطة أو نقاط أمنية، حيث تقل نسبة الجريمة إلى مستوى قياسي بالمقارنة مع باقي التجمعات السكانية في الجنوب الجزائري.ويعود هذا إلى النظام الاجتماعي المنظم المعتمد في تسيير شؤون السكان، حيث يرجع الناس في كل صغيرة وكبيرة إلى مجلس مكون من رجال الدين بالمسجد، وفي أغلب الحالات يعود الناس في أمورهم الخلافية إلى أعيان البلدة ورجل الدين فيها.ويقول دادي حمو أحد اعيان  المدينة :  “بفضل الله وجهد المخلصين من كل سكان البلدة تمكنا من الحفاظ على عادات وتقاليد يعود تاريخا إلى عدة قرون حيث يلتزم تجار المدينة طبقا لقانون عرفي بعدة ضوابط وشروط أولها عدم فتح المحلات التجارية في أوقات الصلوات الخمسة، وعدم ممارسة  التجارة في هذه الأوقات.
ويضيف حمو في حديثه لوكالة الأناضول : “يحرم على التجار بيع التبغ أو المسكرات وكل ما يخامر العقل، بالإضافة إلى عدم بيع أشرطة الموسيقى والفيديو ، وعد السماح بفتح مقاهي لأنها تلهي الناس عن اشغالهم”.ويتابع : “يعود تاريخ القانون العرفي الذي ينظم عمل التجار إلى عدة قرون، كما أن ديننا الحنيف قبل هذا يحرم تدخين السجائر ونحن نلتزم بتعاليم الدين الاسلامي حرفيا “.
ولكن هذا لا يعني خلو المدينة الصغيرة القريبة من عاصمة محافظة غرداية بالجنوب الجزائر من المدخنين حسب بعض الاشخاص الذين التقاهم مراسل الأناضول.فالمدخنون في “العطف” يعمدون للتخفي في بيوتهم أو في واحات النخيل بعيدا عن الأنظار، أو يتنقلون إلى مدينة غرداية المجاورة، ولا يخفي بعض الناس في المدينة مخاوفهم من تغير الأوضاع في هذا المكان الهادئ الخفي.

ويقول أحد شباب المدينة لوكالة الأناضول: “لقد أسس لنا الأجداد حضارة ينبغي علينا الحفاظ عليها وتوريثها لأبنائنا.

الخميس، 22 يناير 2015

تحية لحمير القصبة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!



يتشرف الحمار دون غيره من الكثير من الحيوانات بورود اسمه في القرآن الكريم وبخدمته للإنسان بوفاء وإخلاص منذ فجر التاريخ... مدينة الجزائر، التي أقْصَتْهُ من الاحتفالات بألْفِيَتِهَا عام 1998م، سهر قرونا طويلة ومازال ساهرا على نظافتها، وأنقذ ثقافتها من لهيب الحروب، كما ساهم في إفشال أحد أكبر انقلاباتها السياسية
دخل حمير القصبة التاريخ من بابه الواسع بحضورهم في مؤلفات ومذكرات الرحالة والجغرافيين المسلمين والأوربيين الذين وقعوا دون شك في زحمتهم في الزقاق والمسالك الضيقة في عْقيبة الشِّيطَانْ وسَبَاطْ العْرُوسْ وزَنْقَةْ سيدي مْحمَّد الشّْرِيفْ...
الإسباني هاييدو، الفرنسي فونتور دو بارادي، البريطاني الدكتور شو والأمريكي جيمس كاثكارت وغيرهم، فوجئوا بالدور المركزي للحِمار في العناية بنظافة المدينة وصحتها في كتبهم التي أصبحت مراجع أساسية لتاريخ مدينة سيدي عبد الرحمن في العهد العثماني.
وإن أجحفنا في حقهم اليوم، فقد كتبتْ عنهم كلماتٍ رقيقةً ولطيفة متعاطفة الفرنسيةُ لوسيان فَافْرْ (Lucienne Favre) في "كل ما يُجْهَل عن قصبة الجزائر" في الخمسينيات الماضية. كتبتْ عن حمير ليسوا ككل الحمير... عن حمير يؤرقهم سؤال فلسفي وجودي كلما فاجأتْهم وصدمتْهم سلوكات بعض البشر: "مَن هُم الحمير؟"...
لوسيان فافر تحدثتْ عن: "حمير ينقلون الفضلات وفي عيونهم رِقَّة وأَلَم بَشَرِي (…)، يَسكن بعضُهم القصبة وينامون في أقبية لا ضوءَ فيها ولا هواء بِرفقة أصحابهم من البشر".
في هذا الماضي القريب، استفاد الحمير من فترة استراحة، بحيث حُوِّلوا إلى نقل مواد البناء بصفة خاصة بعد أن ابتدع الاحتلال نظام تنظيف للمدينة العتيقة يعتمد على رش أزقتها بأطنان من مياه البحر بواسطة "السِّيَاقين". لكن بعد زوال هذا التقليد الموروث عن عهد جاك شوفاليي، عادت حليمة إلى أشغالها الشاقة القديمة منذ أواسط السبعينيات. وقد استنفذت هذه المهمة الصعبة والمضنية طاقة هذه الحيوانات العظيمة حتى قضت على عدد منها خلال السنوات، بل العقود، الأخيرة، لاسيَّما أن البشر لم يُسَهِّلوا لهم المهمة.
أقل من 40 حمار لتنظيف القصبة؟
أندري ريموند (Andre Raymand) صاحب "المدن العربية الكبرى في الفترة العثمانية" وأحد أكبر المختصين والخبراء في المدينة الإسلامية، أكرم الحمير بصفحة ونصف من كتابه التحفة سنة 1985م اعترافا لهم بدورهم الأساسي في تنظيف ليس مدينة الجزائر فحسب، بل حتى تونس والقاهرة وحلب والقدس ودمشق...
واليوم، كل ما بقي من هذا "السَّلف الصالح" لآل الحمار بقصبة الجزائر يُمكن اختصاره في اصطبل يقع أسفل مقبرة القَطَّارْ بوادي قريش، قبالة حيّ مناخ فرنسا (Climat De France)، يحتوي على أقل من 40 حمارا، عدد منهم عاطل بانتظام عن العمل بسبب الأمراض وأعراض الشيخوخة...، مما حوَّل هذا الإصطبل جزئيا إلى مركزٍ للخدمات الاجتماعية الحَمِيرية.
يؤكد أحد قدماء هذا الإصطبل التابع لإدارة مدينة الجزائر أن هذه الحظيرة ضَمَّتْ أثناء العهد الاستعماري 70 إلى 80 حمارا عاشوا حياةً أسعد من حياتهم الحالية، وتمتعوا بظروف عمل أقل قساوة من ظروف اليوم وأفضل بكثير من نظيراتها في عهد الجزائر المستقلة. ظروفٌ روعيتْ فيها مختلف الإجراءات الوقائية الصحية بفضل طبيب بيطري كانت تربطه بهم علاقات حميمة قوية جعلته يسهر على راحتهم وصحتهم كما يفعل مع أطفاله
عمي محمد، أحد قدماء منظفي القصبة المتقاعدين، أكد بعد اشتغاله مع الحمير طيلة 38 سنة، دون أن يتأثَّر على ذكاؤه وأسلوب تفكيره كما قد يعتقد بعض سيِّئي النوايا، بأن هذه الحيوانات الطيبة كان لها الحق في "الدُّوشْ"، الاستحمام، بانتظام وفي غسل المعدة من طرف البيطري في حالة الإصابة بآلام في البطن، وفي التطعيم بمختلف الحقن الضرورية للصحة، وفي أنواع أخرى من الأدوية، وفي تطهير الأظافر وتقليمها، وحتى في المشط "بالقَرْدَاشْ" الخاص بها، دون ذِكْر الاعتناء الخاص بالمأكل والمشرب.
كان يحدث ذلك في عهد المُستوْطِن، الإيطالي الأصل، برلسكوني (Berlusconi) الذي اشتهر في الخمسينيات برِفْقِه بالحمير وبقساوته على البشر الأنديجان الذين كان يُسَيِّرهم بقبضة من حديد حاملا معه في جيبه مسدسا للتخويف والترويع وحتى للاستخدام عند الضرورة… ولا عجب في ذلك فالبلد كان تحت نير الاحتلال...
جامعة "كْلِيمَا دُو فْرَانْسْ" !
والوحيد الذي تمسَّك بهذا الاحترام الكبير للحمير بعد الاستقلال وحافظ على التقاليد "الاستعمارية" في هذا المجال هو "كِيكِي" الذي تقاعد في الثمانينيات من القرن الماضي ويكون قد توفي، حسب بعض زملائه، منذ بضعة أعوام. وكانت وفاة "كيكي" خسارة كبيرة لِحمير القصبة سرعان ما انعكست على عددهم الذي تناقص متسارعا بسبب الوفيات الناتجة عن الأمراض وكِبر السِّن، ثم عدم تجديد السلطات المحلية لحضيرتها من هذا الحيوان.
حسب قدماء الإسطبل الذي يحلو للبعض تسميته "جامعة كليما دو فرانس" (Université de Climat de France) أو "أوتيل الحمير" (Hotel)، لم يشتر المسؤولون المحليون في ظرف الأعوام الخمسة والثلاثين الأخيرة، على الأقل، أكثر من 10 أحمرة، وجُلُّهم من جيل الاستقلال "لا يصلحون لا للدّف ولا للقمْبْرِي" بسبب الكسل و"التَّفْيَاسْ" كالبشر من جهة، ولِضعفهم الجسدي وقِصر قامتهم، مما يقلص من قدرتهم على تحمل الأثقال ويعرقل عملية السَّير بها، لأنها تصطدم عادة بالأرض وبـ: "الدّْروج"...
من جهة أخرى، هؤلاء الحمير ليسوا من "أولاد البلاد" بل قدموا من الأرياف، ويتطلب تَعَوّدهم على السير في المدينة وتحكّمهم في عملهم بحفظ مسار العمل ونقاط التوقف وقتا طويلا وجهودا كبيرة من طرف عمال النظافة المدعمين بالعصي الغليظة.
لذلك حمير القصبة الجدد، يقال إن أغلبهم غير مؤهلين لوظيفة النظافة بالقصبة ومن الأفضل أن يُعادوا إلى أريافهم، عكس أجدادهم الذين شاركوا مشاركة حاسمة في صنع تاريخها.
الحمير ينقذون الدَّايْ...
في سنة 1816م عندما أطاح الجيش الإنكشاري بالداي عمر باشا وأتى بعلي خوجة مكانه، سارع هذا الأخير بعد فترة قصيرة إلى نقل مقره الرسمي من قصر الجنينة بساحة الشهداء إلى القلعة الحصينة بالباب الجديد كوقاية من الحركة السياسية المعادية له داخل الجيش الذي كان يتأبَّط شرًّا، لأن بعض قياداته كانت تحضر انقلابا جديدا.
لكن هل كانتْ هذه المناورة ممكنة دون حمير المدينة الذين كانوا عند حُسْن الظن...؟
أثناء انتقاله من أسفل إلى أعلى القصبة، فهم الداي علي خوجة أن الاستغناء عن خدمات الحِمار مستحيل. بل يقال إنه اعتمد على 400 حمار وبغل لنقل متاعه وأمواله ليلا وبطريقة سرية من غروب الشمس حتى طلوع الفجر بعد أن فرض حظر التجول في كامل أنحاء "بهجة" سيدي عبد الرحمن. ثم بعد نجاحه في إفشال محاولة الانقلاب، واصل نقل ما تبقى من قصر الجنينة من أموال وكنوز "الخَزْنَة القْدِيمَة" إلى "الخَزْنَة الجْدِيدَة" بالقَلْعَة، المعروفة اليوم بـ: "دار السلطان"، طيلة 36 ليلة على ظهر 300 حمار وبغل كل ليلة. ولو لم يُهَرِّب الدَّاي علي معه أمواله بهذه السرعة لما نجح في البقاء على العرش، لأن السلطة لمن يملك الكنوز لشراء القوة والذَّمَم...
في الحقيقة، لا يكاد يوجد شيء أو حدثٌ في قصبة الجزائر دون أن يكون للحمير فضلٌ عليه، لأنهم نقلوا مواد البناء لتعميرها ونظفوا زَبلها ونقلوا مياهَها وطحنوا قمحها وشعيرها وحملوا بين الدِّيار والأضرحة والمقابر والأسواق أطفالها ونساءها ورجالها...
فهم الذين نقلوا أحجار أطلال مدينة تامنفوست الرومانية ومحجرة باب الوادي لبناء مرسى المدينة، وهم الذين أوْصَلوا المؤن والمعدات مِن وإلى السُّفن الراسية في "بَابْ دْزِيرَة"، أو باب الجزيرة، في مَساعٍ وخدمات لوجستيية إستراتيجية خفَّفتْ أتعابَ بَحَّارة الرَّايس علي بِتْشِّينْ، ومُراد رايَسْ والرَّايَسْ حَمِّيدُو والعلج علي...
وعندما كان فرانسوا دوكان (Francois Duquesnes) يقصف الجزائر باسم ملك فرنسا العام 1683م مُتسببًا في تحطيم ثُلثي المدينة وحرقها، سارع الحَميرُ إلى انقاذ عدد هام من الكُتب والمخطوطات التي كانت موجودة بالجامع الكبير، المُطلَ على الميناء والواقع في مرمى قذائف الأسطول الفرنسي، من لهيب الحرب بمساعدة الجِمال، وهَرَّبُوها إلى حِصن الإمبراطور بالتاغاران (Tagarins) بعيدا عن دائرة الخطر إلى حين عودة الأمن والأمان، لأن عَظمة المُدن بعظمةِ كُتبها وعلمائها .

في نهاية المطاف، لقد كان حميرُنا، وأنا أقصد الحيوانات، أكثرَ من حَميرٍ، لأن الحِمار الذي يُخاطر تحت القصف بحياته وبرزق أبنائه وحَريمه، وربَّما حتى جَواريه، من أجل أن تعيش الكُتب جديرٌ بأن نقول إكرامًا له إن "وراء كلِّ عظيم حمار"...!!َ! بل إن عظمة المدن بعظمة حميرها...حاشاكم!!!

بقلم الدكتور فوزي سعد الله

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

الجزائري كمال رزوق 'مُنشد الشارقة'


 
تُوّج الجزائري كمال رزوق بلقب أفضل منشد ضمن النسخة السابعة من مسابقة "مُنشد الشارقة".
وللسنة الثانية على التوالي، اقتنص الجزائر لقب "مُنشد الشارقة" حيث توج في نسخة السنة الماضية عبدالحميد بن سيراج.
وحصل صاحب المركز الأول على شيك بقيمة 150 ألف درهم إماراتي، وسيارة "BMW" وعمرة للبقاع المقدسة، وإنتاج ألبوم إنشادي.
وكمال رزوق، من مواليد 1991 بمدينة واد سوف، وكانت تجربته الأولى في مسابقة برنامج "صوتك واصل" الذي يبث على قناة "فور شباب" المصرية، ومن أهم إصداراته فيديو كليب بعنوان "اللهم صلي"، بالإضافة لمجموعة من الأناشيد أشهرها أنشودة "بلادي والله جنة".
وشهدت السهرة الرابعة والختامية من البرنامج تنافساً شديداً بين 6 متسابقين وصلوا للنهائيات من بين 14 متسابقا، وقدموا فقرات إنشادية أمام أكثر من 3300 شخص، إذ أنشد السعودي عبدالرحمن الصيعري "يا من يرى"، فيما أنشد الأردني أحمد أبوحطب "غرد يا طير".
وقدم المغربي أنس براق "قل لمن يفهم عني"، التي أثرت في أعضاء لجنة التحكيم مشيدين بجمال أدائه، وأنشد الجزائري كمال رزوق "بذكر محمد"، التي ارتفعت معها أعلام الجزائر، فيما قدم السوري معن برغوث "انت الذي شرفنا"، وأشادت لجنة التحكيم بروعة أدائه فيها، ليختتم العماني محمد الوهيبي المنافسة بأنشودة "مولانا".
وكان تلفزيون الشارقة التابع لمؤسسة الشارقة للإعلام أطلق فعاليات برنامج منشد الشارقة في دورته السابعة وهو أحد أشهر البرامج التلفزيونية المحلية والإقليمية المتخصصة بالإنشاد الفني الهادف.
واتجه فريق عمل البرنامج إلى تسع دول مختلفة لاختيار المنشدين، شملت كلاً من: السعودية، والجزائر، والمغرب، ومصر، والأردن، وماليزيا، والبوسنة والهرسك، وتشاد، إضافة إلى الإمارات.
واعتبر مدير الإذاعة والتلفزيون بمؤسسة الشارقة للإعلام محمد ان البرنامج يواكب المكانة الثقافية والفنية للشارقة، كونها عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2014.

وأضاف: "حرصاً على تعزيز حضور الكلمة واللحن الهادف والمعبر المنسجم مع قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا المعروفة، وبعد أن حقق منشد الشارقة نجاحات رائعة في فضاءات الفن الإنشادي الهادف خلال ست دورات سابقة، عاد بحُلة جديدة".

الأحد، 28 ديسمبر 2014

جذور صناعة الحليّ الفضية في بني يَنِّي في جبال جرجرة


حرفي جزائري في بداية القرن العشرين

"....الصنائع والحِرف البجائية لم تَتَخَلَّف عن مواكبة التقنيات والنماذج والموضات الإيبيرية حيث لم تكن توجد تباينات تقريبا في أساليب عمل الصّيَّاغِين والخَرَّازِين والنَّحَّاسِين والدَّبَّاغين والقَزَّازين والنَّسَّاجين والعَطَّارِين والمَقْفُولْجِيِّين وغيرهم من الحِرفيين البِجائيين من جهة ونُظرائهم في المُدن والحواضر الأندلسية من جهة أخرى. ومن بجاية انتشرتْ هذه التقنيات والصَّنائع الإيبيرية كبقعة الزيت في كامل المدن والأرياف الجزائرية القريبة؛ من مَجَّانة وسْطِيفْ وبُرْج بُوعْرِيرِيجْ وقلعة بني عبَّاس إلى مختلف قرى جبال جَرْجْرَة. أما قلعة بني حمَّاد فقد انهارتْ، حسب البحوث التاريخية والحفريات الأثرية، قبل أن تصلها العديد من الإبداعات الأندلسية الحديثة، بمقاييس ذلك العهد، التي شهدتها بجاية...
فصناعة الحليّ والمجوهرات الفضية، على سبيل المثال، المتميِّزة والشهيرة في بلدة بني يَنِّي في مرتفعات جرجرة التي يُعتقَد أنها صناعة أمازيغية خالصة ليست في واقع الأمر سوى إحدى تلك الحِرَف والصنائع الأندلسية التي انتهى بها المطاف في المنطقة مُنْتَقِلَةً إليها من بجاية.
وهذا ما تؤكده البحوث والدراسات الحديثة المتخصصة التي من بينها أعمال أنجزتْها الخبيرة الفرنسية في الأنثروبولوجيا كَامْبْسْ – فابْرر هُنرِيَّات (Camps – Fabrer Henriette) والباحث لُوسْيان غُولْفِين (Golvin Lucien)، وقبلهما المستشرقان الفرنسيان جورج مارْصِي (Georges Marcais) وبُول أُودِيلْ (Paul Eudèl) في نهاية القرن 19م وبدايات القرن 20م...
فهؤلاء يتفقون على الأقل على أن تِقنيةَ طَلاَء المجوهرات الفضية المرصَّعة بالأحجار الكريمة في بني يَنِّي بمادة المينا (Les bijoux émaillés filigranés) التي تُزيِّن الحِلية وتجعلها تلمع وتحفظها من التأثيرات السلبية للرطوبة والهواء والألوان البرَّاقة، على حد قول هنريات كامبس فابرر، عِلمًا أنها رأسمال صناعة الحلي في بني يَنِّي وعمادُها، هذه التقنية غريبةٌ عن جبال جرجرة في شمال شرق الجزائر وعن كل الأرياف المغاربية، وإنما هي تقنية حَضَرية جاءتْها من الأندلس التي برزتْ فيها هذه الطريقة في صناعة الحليّ منذ القرن 12م وتَرَسَّخَتْ وشاعتْ ابتداءً من القرن 13م منذ عهد مُلك بني الأحمر لغرناطة، وازدهرت بعد هذه الفترة إلى غاية سقوط هذه المملكة عام 1492م .
وبعد انتشار هذه التقنية الأندلسية في المدن الجزائرية، من بينها بجاية، تَبَنَّتْهَا بعضُ الأرياف القريبة من الحواضر قبل أن يتم التخلي عنها تدريجيا في المدن بظهور إبداعات جديدة، فيما سَمَحَ عدمُ الاحتكاك الكافي بالابتكارات الحديثة للأرياف النائية، المعزولة نسبيا بتضاريسها الوعرة، باستمرار وجود هذا الفن الحِرفي لديها وتعميره إلى اليوم في غياب البدائل، مثلما هو الشأن في بني يَنِّي الجزائرية ومُقْنِينْ وجَرْبَة التونيسيتيْن وتِنْزِيتْ وتَارُودَانْتْ في المملكة المغربية...
وبَقَيَتْ هذه الأرياف النائية تُكَرِّرُ إلى اليوم التقنيةَ ذاتها منذ مئات السنين بعدما اندثرت واختفتْ في غيرها من القرى، وأيضا في الحواضر التي تَبَنّتْ ابتكاراتٌ وأساليب جديدة.
هذا ما يعتقده الباحثون الخبراء في ظل ما تَوَفَّرَ من القرائن الأنثروبولوجية والدلائل الأثرية المُتاحة إلى حَدِّ اليوم، لكن دون الحَسْم بشكل قاطع ونهائي في هذه المسألة لعل اكتشافات أثرية جديدة قد تطرأ في المستقبل وتوفر إيضاحات إضافية.
هذه المجموعة من الباحثين الفرنسيين، وهي من أبرز وأهم الخبراء في هذا المجال الأنثروبولوجي من الدراسات حول التراث الاجتماعي/الثقافي الأمازيغي، تُجمِع على أن تقنيةَ استخدام مادة المينا (émail en filigrane) انتقلتْ إلى بني يَنِّي عن طريق أندلسيِّي بجاية المسلمين. ولو أن بضعةَ أصوات في وسط الخُبراء بدأتْ تنسبها منذ بضعة عقود إلى يهود الأندلس فقط، دون أن تنجح في إحداث الإجماع حول هذه النظرية التي يوجد مَن يستبعدُها أكثر مِمَّنْ يتبناها ، فَضْلاً عن أن الحكايات المُتوَارَثَة في جرجرة عبْر الأجيال في شَكلٍ أشْبَه بالأساطير العتيقة عن دخول صناعة هذا النوع من الحليّ، بل وكل الحليّ، إلى بني يَنِّي لا تتحدث عن أيَّة رِيَادَةٍ لليهود في المنطقة لا قديما ولا حديثا.
بل هي تُرجع الفضلَ إلى عائلةِ من قلعة بني عباس القريبة من بجاية، وعميقةِ التأثر بفنونها وصنائعها الأندلسيةِ القلب والقالب، في تعليم المنطقة أسرار هذه الحرفة الأندلسية العتيقة بعد أن جيء بها كأسيرة إلى بني يَنِّي إثْرَ مَعارك في بداية القرن 16م في إطارِ صِراعٍ عسكري/سياسي بين المنطقتيْن، بني يَنِّي المُوالية لابن القاضي سلطان كُوكُو وحليف العثمانيين من جهة وقلعة بني عبَّاس حامِية السُّلطان عبد العزيز من جهة أخرى، على خلفية بسط النفوذ العثماني على المنطقة.
هذه العائلة الأسيرة التي اشتهَرتْ بنبوغها في صناعة الحليّ والمجوهرات والسلاح تَحوَّلتْ إلى نوَاة قرية "آيَتْ الأَرْبْعَاء" (أيْ بَنِي الأربعاء) التي سَكنتْ لاحقا أرضًا وَفَّرَتْها لها أسرةُ آيَتْ مْعَمَّرْ (أيْ بني مْعمَّرْ) واستفادتْ منها في المنافسة مع قبيلة آيتْ مَنْقَلاَّتْ المُحاذية. وفي هذه الفترة، ظَهرتْ لأول مرة في المنطقة الحلْيَة الشهيرة بـ: "تَبْزِيمْتْ" المعروفة إلى اليوم، التي تُزَيِّنُ بها النساء المحليات جِبَاهِهن، والتي كانت صناعة مُحتكَرة تقريبا من طرف بني عباس حسب الفرنسي بُولْ أُودِيلْ الذي تحادث في نهاية القرن 19م مع أهل بني ينِّي بهذا الشأن ...
عندما سَأل الكاتب بول أوديل في نهاية القرن 19م شيخا طاعنا في السِّن من سُكان بني يَنِّي كان قد بلغ الـ: 100 عام من العُمر: مَتَى بدأ سكانُ منطقتِه يستخدمون مادة المينا في الحليّ؟ رَدَّ عليه الشيخُ بأن هذا الأمرَ يعود إلى أكثر من 500 عام. وهو ما يتوافق نسبيا مع الفترة التي تَذْكُرُهَا الروايات الشعبية فيي المنطقة .
كما يُلاحَظ أن "تَبْزِيمْتْ" وأدوات مُحترِفي صناعة الحليّ في بني يَنِّي تَحمِل في مُجملها أسماء عربية مُكيَّفة شكليًّا مع الأمازيغية، مما يُغري لأول وهلة بالاعتقاد أنها ليستْ أصيلة في المنطقة بل نابعة من ثقافة عربية اللسان بالدرجة الأولى التي نعتقد أنها الثقافة الأندلسية مصدر تقنية صناعة حليّ بني ينِّي الفضية.
ومن بين هذه الأدوات: تَرَبُوزْتْ المُشتقَّة من الرَّبز، مُحَبّسْ المأخوذة من الحَبْس، تَبَلْقُورِينْتْ المُكيَّفة من أبو القرنيْن أو "بو القُرِين" العامِّية حسب الكاتب الفرنسي بول أوديل، تَمُقَصْ المشتقة من المِقَصّ، القالب، الفُرْن، الطَّابع، المبْرد، أجَعْبُوبْ وهي من الجُعْبُوب، السّْكَيْنْ وهو تحريف طفيف لـ: السِّكِّين...إلخ .
أما تَبْزِيمْتْ فمصدرها كلمة الإبْزِيم العربية التي يقول "المعجم الوسيط" إنها "عُرْوَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ في أحد طرَفيْها لسان، تُوصَل بالحِزام ونحوه لتَثْبيت طرف الحزام الآخر على الوسط"...".
المصدر: فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والمنطقة العربية والمتوسطية.

السبت، 27 ديسمبر 2014

الآذان على الطريقة الجزائرية


   

"....في مدينة الجزائر، كان الآذان يتم وفق أسلوب الغناء الأندلسي المحلي المعروف بـ: "الصنعة" ومقاماته الموسيقية، واستلهمت قسنطينة آذانها من موسيقى "المالوف"، وتلمسان من الغناء "الغرناطي".
وكان الآذان يتم حسب النوبة، أو المقام، الذي يتوافق مع مزاج المؤذن وميوله الشخصية، إذ بإمكانه أن يتمَّ على نوبة رمل الماية أو نوبة الزيدان أو نوبة المَزْمُوم وغيرها، وإن طغت نوبة الزيدان ورمل الماية أكثر من غيرها من النوبات على آذان مدينة الجزائر والمدن المتوسطة والصغيرة التي تدور في فلكها الثقافي على غرار البليدة والقليعة وشرشال. كما يجوز للمؤذن أن ينتقل من نوبة إلى أخرى على هواه من آذان إلى آخر بين صلاة الفجر وصلاة العشاء.
وكان آذان البدء في الصلاة يتم تقريبا على نفس النحو مع بعض التباينات الطفيفة. لكن العادات كانت تقتضي أن تكون النوبة التي يُعلن بواسطتها إقامة الصلاة هي نفسها التي تُعتمد في تلاوة القرآن أوتجويده أثناء الصلاة.
أما آذان صلاة العيد وتكبيرة العيد، "الله أكبر، الله أكبر، والحمدلله ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر"، فكان أداؤهما يتم وفق نوبة السيكة القريبة جدا من موسيقى الفلامينكو الإسباني.
ويتردد في الأوساط الحضرية لمدينة الجزائر أن أول مَن وضع ألحان هذه التكبيرة التي أصبحتْ تقليدا وطنيا في الجزائر هو المفتي الحنفي التركي أبو الحسن العتري أو العنتري قبل نحو 5 قرون.
في مدينة الجزائر، على سبيل المثال، خلال العقود الأولى من القرن 20م، كان من بين أجمل الأصوات التي برعتْ في الآذان وما زال صداها يتردد إلى اليوم وذكراها حية في الأذهان أصوات كلٍّ من محيي الدين باش طارزي، والصحفي الرسَّام عُمَر رَاسِم الجزائري، والشيخ بن النُّوبِيَة، والشيخ المفتي باباعمرو، والشيخ مَامَادْ البستانجي (يُنطق: بَسْطَانْجِي في الجزائر) الذي كان في فترة معينة رئيسا لجمعية الجزائرية – الموصلية للغناء والطرب الأندلسي. دون أن يفوتنا ذِكر الشيخ البُلَيْدِي، والشيخ أحمد ابن يوسف، والشيخ بَكِيرْ المَسكْجِي، والفنان الشيخ أحمد سري في النصف الثاني من القرن ذاته...إلخ.
ومع رحيل أغلب رجال هذه الأجيال، لم يبق من الذين يتقنون فن الآذان الجزائري سوى قلة قليلة تُعَدُّ على الأصابع، فيما اكتسحت الأساليب المشرقية والحجازية الخاضعة للقواعد الموسيقية المحلية المساجد والجوامع الجزائرية بسبب شبه القَدَاسَة التي يتمتع بها كلُّ ما جاء من الشرق في المجال الرُّوحي في الجزائر، لأن هذا الشرقَ كان مصدرَ رسالة الإسلام قبل 15 قرنا وما زالت مكانته الروحية في القلوب هي هي لم تتأثر بكوارث الأمور الدنيوية..."...
المصدر: فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي في الحزائر. دار قرطبة. الجزائر 2011م.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

الإنجليز في مدينة الجزائر: مواسم عشق القصور و..الياسمين





بقلم: فوزي سعد الله
مِنْ هؤلاء الإنجليز الذين فتنتهم مدينة الجزائر قبل أكثر من قرن، لم يبق الآن سوى بعض المعالم المعمارية..، لعل أهمها يتمثل في الكنيسة الأنجليكانية الواقعة بمفترق طرق أديس أبابا والتابعة حاليا لمصالح السفارة البريطانية...
*********************************
منذ أن شق المصريون بمساعدة المهندس الفرنسي فرديناند دو ليسيبْسْ قناة السويس تحولت مدينة سيدي عبد الرحمن والرايس حميدو إلى ميناء لعبور الأوربيين والأمريكيين المتوجهين إلى المشرق، واكتشفوا بالتالي جمال الجزائر وأسرار تاريخها وثقافتها...
كارل ماركس يُجاور قصر الشعب
من 1865م إلى 1870م كان يتردد عليها كل عام حوالي 1500 إنجليزي، ثلثاهم بين شهري أكتوبر وماي، ليقضوا شتاءهم في أجوائها المعتدلة وخضرتها التي كانت تغطي روابي الأبيار وتيليملي وكل الضواحي المحيطة بها. وشاع في ذلك الوقت بكامل أوربا أن مناخ مدينة الجزائر يساعد على الشفاء من الأمراض الصدرية والتنفسية على وجه الخصوص.
جاءها كل من الموسيقار والباحث الكبير في الموسيقى العربية، والجزائرية خاصة، كاميل سان سونس، والاقتصادي الشهير كارل ماركس أملا في الشفاء من الربو والسل.
سان سونس الذي قدَّم بعض أعماله الفنية في "الأوبرا" (المسرح الوطني الجزائري أو محيي الدين باش طارزي حاليا) في سنة 1910م، استعذب الإقامة بها، وبقي يزور المدينة من حين لآخر. وفي كل مرة كانت إقامته تطول بها أكثر من المرات السابقة، حتى توفي بها في سنة 1921م، بعد أن تذوق وتنفس أجواءها وفنونها عندما كان يقضي أيامه وسهراته بين أزقة القصبة وإلى جانب الشيخ محمد بن علي سفنجة أثناء الحفلات الغنائية الأندلسية التي كان يقيمها بمقهى مالاكوف.
أما كارل ماركس الذي كانت مدينة الجزائر بالنسبة إليه مجرد عيادة مختصة في الأمراض الصدرية منذ قدومه إليها في 20 فيفري 1882م في الرابعة والستين من عمره، فقد زادت صحته تدهورا واضطر للعودة من حيث أتى بعد حوالي سنة ليموت في بلاده بهدوء متأثرا بمرضه. وقد كان مقر إقامته بفندق فيكتوريا المقابل لقصر الشعب والمحاذي لما يُعرف اليوم ببنك الجزائر... فندق لم يكن يبتعد عنه كثيرا ربما باستثناء تفسحه من حين لآخر بحديقة التجارب بالحامة، مما حال دون احتكاكه بالأهالي وثقافتهم رغم نزعته العًمَّالية المدافعة عن البروليتاريا المستضعفة في العالم.
مدينة الأحلام الشرقية
فكَّرتْ إدارة الاحتلال، أمام الإقبال الكبير للإنجليزعلى مدينة الجزائر، منذ 1908م في إقامة كازينو كبير لاستيعاب أموال هؤلاء الأثرياء وفي تحويل القصور التي تعود إلى العهد العثماني إلى إقامات سياحية. وإذا كان المشروع الأول لم يتجسد إلا في سنة 1933م بإنجاز فندق أليتي (أيْ فندق السفير حاليا)، فإن الفكرة الثانية سوف تتطور حتى إلى بناء فيلات وقصور جديدة حسب النموذج المعماري القصبجي أو الموريسكي، كما يقال، بتشجيع من الحاكم العام جونار المحب للاستشراق. وقد برع في هذا النمط المعماري الذي تحول إلى موضة جديدة في العشريات الثلاثة الأولى من القرن 20م الإنجليزي بوكنال (Bucknal) المهندس المعماري الذي جاء الجزائر في 1875م وترك بعاصمتها حيا بأكمله من إنجازه يُعرف بـ: درب بوكنال بالأبيار، بالإضافة إلى الكنيسة الأنجليكانية السابقة الذكر بمفترق طرق أديس أبابا التي أنجزها في سنة 1909م.
تهافت الأثرياء والنبلاء الإنجليز على القصور "التركية" المحيطة بالمدينة وافتتنوا بجمال تصورها المعماري وببساتينها وجنانها وروائح الياسمين المنبعثة منها، وتنفسوا بها طيلة سنين طويلة الجمال الشرقي العربي- الإسلامي الذي لم تتوفر لهم فرصة اكتشافه من قبل بسبب الصراعات التاريخية المعروفة بين الشرق والغرب وبين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
لقد سكنت هذه النخبة الإنجليزية بأغلب القصور و"الجنانات" العثمانية الواقعة بـ: "فَحْص" قصبة الجزائر العتيقة، واشترت 35 منها في نواحي الأبيار، تيليملي و الأحياء المحاذية لقصر الشعب الحالي ونزل الجزائر المعروفة آنذاك بحي مصطفى الموروث عن جنان الداي مصطفى باشا.
ففي نهاية القرن 19م اشترى جون بيل قصر مصطفى رايس ورممه بواسطة المهندس المعماري الفرنسي غِيُوشَانْ (Guillauchin) الذي كتب آنذاك في أحد مؤلفاته بأن شعاب وروابي الأبيار وحيّ مصطفى لم تحتفظ حتى الآن ببعض الديار والقصور الموريسكية والخضرة (المحيطة بها) إلا بفضل عدد من عناصرالجالية الأجنبية، والإنجليزية بصفة خاصة...
الملك إدوارد السابع يفتتن بـ: "جنان المفتي"
أما اللورد والليدي آرثور فقد وقع اختيارهما على فيلا "جنان المفتي" قرب مؤسسة التلفزيون بشارع الشهداء، والتي مازالت موجودة حتى الآن، أين استقبَلا في سنة 1905م الملك البريطاني إدوارد السابع وزوجته الملكة ألكسندرا.
كما سكن بالقصر المعروف بـ:"دار الأعور" أو"دار لوعر؟" اللورد هولدن (Holden) و زوجته، اللذان كانا يجاوران الإقامة الفخمة للِّيْدي هارتويل (Hartwell) الأسكتلندية.
في نفس الفترة، أقام الِمْيجُورْ بْلومْفيلْدْ (Major Bloomfield) بقصر "جنان السوداء"، والثري الأمريكي ماكْ لِي (Mac Lay) بالحي الذي مايزال يُعرف باسمه حتى اليوم بالأبيار (شُومَانْ مَاكْ لِيْ)، وعائلة لوفيت- هين (Lovett- Henn) بـ: "جنان سيدي مرزوق" بالأبيار أيضا حتى وفاتهما هناك...
لم تنس هذه الجالية الإنجليزية النخبوية، التي تجمعت في مدينة الجزائر و ضواحيها ما بين نهاية القرن 19م والعشريات الأولى من القرن 20م، أن تجعل لنفسها أحياء ومحلات راقية تليق بمقامها وثرائها في أفخم شوارع المدينة الأوربية. فقد كانت تقضي حاجياتها في محلات Vitalli-Franses وLawson et Lefebure و Pohoomull Brothers بشارعي باب عزون والعربي بن المهيدي ، وكانت تستريح من تعب التجوال في المدينة حول طاولات شاي محل Fille الشهير في ذلك الوقت بخدماته ذات المستوى الراقي والـ: Afternon Tea (شاي العشية)، ولعبت التنس ومارَسَتْ ركوب الخيل بضواحي بئر الخادم وبئر مراد رايس. كما قرأت جريدة الجالية الوحيدة The Algerian Advertiser التي أصدرها الإنجليزي Joseph H. Hyam في سنة 1885 م ما بين 1 نوفمبر/تشرين الثاني و نهاية أبريل/نيسان الذي تلاه.
"نيس" شمال إفريقيا
أصبحت مدينة الجزائر منذ نهاية القرن 19م بفضل هذه الأجواء السياحية مدينة جد منافسة لمدينة نِيسْ و كَـاْن الفرنسيتيْن، بحيث حَوَّلَتْ وجهة الإنجليز والأمريكيين نحو الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ليكتشفوا لأول مرة إرث قرون من التراكم الحضاري العربي- الإسلامي بهذه البقعة، وسوف تستقطب بالتالي موضة قضاء الشتاء بمدينة الجزائر أوالإقامة الدائمة بها الأدباء والفنانين من مختلف بلدان العالم مثل الموسيقار السيمفوني العالمي يهوذا مينوحين الذي توفي في سنة 1999م ، جاك تيبو، سامسون فرانكوس وغيرهم. كما أتاها مفتونا في ثلاثينات وأربعينات القرن 19م الرسام أوجين دو لاكروا وأوجين فرومونتان مجنون "زنقة سيدي امحمد الشريف" و القصبة العليا.
لكن ما إن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى كانت أمور كثيرة قد تغيرت في الجزائر وفي العالم، أمور دفعت إلى الهجرة المعاكسة، وبالتالي لم يبق آنذاك بمدينة الأولياء والشعراء وريَّاس البحر سوى 250 فردا فقط من إنجليز بداية القرن 20م...
آنذاك كانت الجزائر تستعد لموعد آخر مع التاريخ ، موعد وضع حدٍّ للاحتلال والاستغلال وإقناع الفرنسيين بالعودة من حيث أتوا...