بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مكان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة مكان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

' قبر الرومية' يحفظ قصة حب ملك أمازيغي



تنام مدينة تيبازة الجزائرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط كالعروس، فاتحة عينيها على حضارة القرن الحادي والعشرين، غير أنّها لا تعيرها اهتماما، لكونها مدينة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، فهي إلى اليوم لا تزال تحتضن كنوزا أثرية تتحدث بكل اللغات التي مرّت على هذا المكان واستوطنته.
ومن المعالم التاريخية المذهلة التي تزخر بها محافظة تيبازة التي تبعد مسافة 70 كلم غرب الجزائر العاصمة، ذلك الضريح الذي يحلو لسكان هذه الولاية الساحلية تسميته "قبر الرومية".
هو قبر ضخم، إسطواني الشكل، يتكون من صفائح حجرية متساوية الحجم وينتهي بمخروط مدرج. وتظهر من خارجه 60 عمودا، ويحتوي في داخله التاريخ الذي جمع بين الملك الموريتاني يوبا الثاني وسيليني كليوباترا ابنة كليوباترا ملكة مصر الفرعونية.
والملك يوبا الثاني ملك الامبراطورية الموريتانية كان يعشق زوجته كليوباترا سيليني حتى الجنون حيث حزن عليها بعد وفاتها حزنا شديدا إلى درجة أنه قرر أن يخلد ذكراها بضريح بناه لها على شكل تحفة معمارية خالدة تحاكي أهرامات مصر في منطقة سيدي راشد بمحافظة تيبازة.
قصة الحب هذه وقعت في الفترة اللوبية الفرعونية التي كان فيها تحالف بين مملكة الفراعنة والمورتانيين بعد أن قام الملك الشيشنق بالتدخل لحماية مصر من غزو جيش الحبشة وبطلب من فرعون مصر، فترة التحالف هذه دامت أكثر من ثلاثة قرون شهدت تزاوجا بين العائلتين الملكيتين، غير أن قصة كليوباترا سيليني ويوبا الثاني كانت أكثر قصص الحب قوة التي دوّنها التاريخ عبر صفحاته حتى تحولت إلى أسطورة يجسدها قبر الرومية أو الضريح الموريتاني.
هذا القبر الذي يحمل الكثير من صفات الأهرام، هو معلم تاريخي يحاكي عظمة الحضارة الأمازيغية التي عرفت أوجها في عهد يوبا الثاني الذي يعد من أقوى الملوك والقادة العسكريين لإمبراطورية موريتانيا، الاسم القديم لمنطقة المغرب العربي بين 25 قبل الميلاد و23 ميلادي وكانت عاصمته أيول وهي شرشال حاليا تبعد 90 كلم غرب العاصمة الجزائر، كما عرفت حقبته بالازدهار والرخاء كونه كان ملكا مثقفا.
ومما يميّز هذا الضريح وجود أربعة أبواب وهمية ضخمة يصل علوّ الواحد منها إلى ما يقارب سبعة أمتار، يحيط بها إطار بنقوش بارزة تشبه إلى حدّ بعيد شكل الصليب، الأمر الذي جعل بعض الباحثين في علم الآثار يعتقدون أنّه مبنى مسيحي، ومنه جاءت ربما تسميته “قبر الرومية” اشتقاقا من كلمة “الرُّومي”، بمعنى الروماني أو البيزنطي.
وتمّ تصنيف هذا الموقع الذي يطلق عليه أيضا “الضريح الملكي الموريتاني”، وهي التسمية المعتمدة لدى المؤرخين والمتخصصين في علم الآثار ضمن التراث العالمي للإنسانية في سنة 1982، كما صُنّف منذ سنة 2002 ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة التربية والثقافة والعلم التابعة للأمم المتحدة (يونيسكو)، بوصفه واحدا من الأضرحة الملكية الموريتانية والمواقع الجنائزية لفترة ما قبل الإسلام.
أمّا عن المحاولات التي قام بها الباحثون لاكتشاف أسرار هذا القبر، فلعلّ أهمّها تلك التي قام بها عالم الحفريات والآثار الفرنسي أدريان بيربروغر في عام 1865، تنفيذاً لطلب نابليون الثالث، ومن خلالها توصل إلى العثور على باب سفلي ضيّق يقع تحته باب خلفي من الناحية الشرقية وهو ممرّ سريّ للضريح.
وعند اجتياز باب القبر، يجد الزائر نفسه في رواق يضطرّه للانحناء عند المشي، تعلو حائطه الأيمن نقوش تمثل صورة أسد ولبؤة، لذا سمّي “بهو الأسود”. وعند اجتياز هذا الرواق، يجد الزائر نفسه مرة أخرى في رواق ثان طوله 141 مترا وعلوّه 2.40 متر، شكله ملتو ويقود مباشرة إلى قلب المبنى الذي تبلغ مساحته 80 مترا مربعا.

ولمعرفة زمن بناء القبر، فإنّ بعض المؤلفات الرومانية القديمة تقول إنّه يعود إلى 40 سنة بعد الميلاد، أي إلى عهد استيلاء الرّومان على مملكة موريتانيا، وهذا حسب ما يذهب إليه بعض المتخصصين في الآثار الرومانية، حيث يؤكدون أنّ الملك “يوبا الثاني” وزوجته “كليوباترا سيليني”، هما المشرفات على بنائه، ويستندون في ذلك على أن “يوبا الثاني” كان ملكا مثقفا يتذوق فن العمارة، وقد جلب إلى عاصمته شرشال تحفاً فنية اشتراها من بلاد اليونان.

الجمعة، 20 نوفمبر 2015

متحف الباردو ...


أو ما كان يُعرف قديما بدار الباردو ... تشير بعض الدراسات أن كلمة باردو مُحرفَّة عن كلمة برادو الإسبانية التي تذكِّر بقصور الحفصيين في ضواحي تونس ، ويرجع تاريخ هذه الدار الفخمة إلى القرن الثامن عشر ، وقد كانت قبل الاحتلال الفرنسي من أملاك الأمير عمر .
وفي الصورة الساحة الموريسكية المعروفة بـ " حوض النساء " وفي الوسط يظهر صحن المرمر الفاخر .
وقصر الباردو اليوم هو متحف لما قبل التاريخ والفنون والتقاليد الشعبية بشارع فرنكلين روزفلت رقم ٣ امتدادا لشارع ديدوش مراد من الأعلى .

الأحد، 27 سبتمبر 2015

عين المحبة في قمم جبال الشريعة في الجزائر




بجبالها الراسيات ورائحة صنوبرها الحلبي وأرزها الأطلسي، وفي طريقها المنعرجة المحفوفة بالغابات حاليا وبخطر الموت المحدق في سنوات الإرهاب، تعود الحياة إلى جبال الشريعة التي طالما كانت من الأماكن المحرمة على الجزائريين، بعد أن استوطنها الإرهاب لما يزيد عن عشرية كاملة، بكى فيها الصنوبر والأرز.
من قمم جبال الشريعة الواقعة أعالي مدينة البليدة -50 كم غرب العاصمة الجزائر- نشاهد عناقا أبديا، بين زرقة البحر وجبال شنوة بعد المرور بمدينة الورود وسهل المتيجة الأخضر في صورة يخيل للمرء أنه أمام شاشة البلازما الكبيرة، ولا يعود إلى الواقع إلا بامتلاء رئتيه بكمية كبيرة من الهواء النقي البارد. القادمون في رحلة البحث عن الطبيعة الخلابة، يستمتعون بموقع الشريعة الذي يتشكل من منعطفات ومنعرجات تمكن المسافر من رؤية كل معالم مدينة البليدة التي تتناهى في الصغر كلما ارتفعنا نحو القمة.
ويستمر الطريق إلى أن يعانق البصر قرية جبلية بطراز معماري يشبه المدن الألمانية القديمة، هذه المدينة تقع على علو 1500 كيلومتر عن سطح البحر وسط غابات البلوط و الأرز الكثيفة.
وفي القمة لا يمكن للزائر أن يتجاهل اكتظاظ الفتيات حول عين للمحبة وتسمى "العوينة "، جئن للشرب منها، وهذه العين الطبيعية مرتبطة بأسطورة تواترها الأجيال وتقول خالتي الطاووس أنها أحضرت بناتها الثلاث للشرب من هذه العين المباركة لأن كل من تشرب منها يأتيها من يحبها و يتزوج بها.
* كمال العمري: حتى بعدما سمعت أن الحياة قد عادت إلى جبال الشريعة إلا أنني لا آتي إلا مرافقا بعدد من الأهل والأصدقاء، ونغادرها بعد العصر مباشرة خوفا من أي طارئ، فرغم أن عناصر الأمن منتشرة في كل المنطقة لكننا نحتاط دائما، لكننا نستمتع في ذلك اليوم بالهدوء والسكينة ونقاوة الهواء وجمال الطبيعة حيث يلعب الأطفال وسط رائحة البلوط وأشجار التي تخترق الدماغ دفعة واحدة.
* ليلى من العاصمة: سمعت من جدتي أن في قمة الجبل حيث تلتقي القمة بالسحاب ولا يمكن لأحد أن يصل، دفن ولي صالح كان يعمل على تزويج الفتيات ويجمعهن بالرجال الأكفاء، وبعد موته دفن هناك ومازالت بركته تصل إلينا عبر هذه العين، وبمجرد التفكير بأن هذه العين هي عين الحب يصبح للشرب منها طعم آخر، ولايمكن أن ننكر عذوبتها وإن كنت شخصيا لا أومن بما تتوارثه الأجيال من قصص مختلفة حول هذه العينة، أما عن قبولي الشرب منها فهو إرضاء لوالدتي التي لا يمكن أن نغير قناعتها.

* الحاج معمر مهاجر في فرنسا: ألفت المكان وألفت الاصطياف في المنزل الخشبي، فبعدما كنت استأجره من البلدية عندما كانت منطقة الشريعة في فترة عزها ومجدها، أصبحت اليوم أستأجره من أحد المالكين الخواص وبأضعاف مضاعفة. وعلى الرغم من أن المنطقة فقدت حيويتها ونشاطها السياحي بفعل هجرها من قبل سكانها أولا ثم السياح ثانيا، إلا أن خلوتها ومناظرها الجميلة تجلب إليها دائما ذوي النفوس التواقة للهدوء وراحة النفس والكارهة للضوضاء. جبال الشريعة كانت في وقت مضى تعج بالزوار شتاء وصيفا، وكان أهالي المنطقة وهم جميعا من الفلاحين يوفرون لنا العسل واللبن الخالصين.

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

مغارة ابن خلدون: في هذا المكان المهمل ولدت 'المقدمة'


         
  
قبل تسع سنوات أحيت الجزائر الذكرى الـ600 لوفاة العلامة عبدالرحمن بن خلدون، حيث أقامت وزارة الثقافة الجزائرية بهذه المناسبة العشرات من الملتقيات الفكرية والندوات الوطنية والدولية وذلك على مدار عام كامل بمدينة فرندة التابعة إداريا لولاية تيارت المعروفة قديما باسم تيهرت والتي تبعد 340 كيلومترا غرب العاصمة الجزائرية، حيث تقف مغارة عبدالرحمن بن خلدون حتى اليوم شاهدة على حدث تاريخي غيّر مجرى العلوم الإنسانية بميلاد كتاب “المقدمة” الذي ألّفه ابن خلدون بعد أربع سنوات من الاعتكاف داخل هذه المغارة (1375-1379)، وصار تأليف هذا الكتاب المرجع، بمثابة إعلان عن وضع أولى لبنات علم الاجتماع البشري.
ويقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي “إنّ ابن خلدون قدّم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تُعدُّ أعظم عمل لم يسبق أن أنجزه عقلٌ بشري، في أيّ زمان وأيّ مكان من قبل..”.
وتؤكد العديد من المصادر التاريخية أنّ العلامة ابن خلدون اعتكف بهذه المغارة أربع سنوات لتأليف كتابه الهام “المقدمة” كمقدمة لمؤلفه الضخم “كتاب العبر”، وقد اعتبرت المقدمة لاحقا مؤلفا منفصلا ذا طابع موسوعي، إذ تناول فيه ابن خلدون جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب.
غير أن قيمة ابن خلدون العلمية والفكرية وقيمة مقدمته العلمية والثقافية لم تشفع للموقع الذي شهد ولادتها ولم تشهد مغارة ابن خلدون إلى اليوم العناية والاهتمام اللذين تستحقهما لكونها ذات رمزية تاريخية تدل على ما بلغه العرب من تقدم في العلوم في ذلك العصر. وتتألف المغارة من مغارة رئيسية تتصل بها غرف صغيرة، ويذكر المؤرخون في كتبهم أن ابن خلدون اتّخذ منها مقاما له، ليس لجمالها ومنعتها وحسب، وإنما لكونها تطلُّ على سهل “التات” الذي كان ممرا رئيسيا لشتى قوافل العرب والبربر؛ وهو الأمر الذي مكّنه من التعرف على أخبار الناس والحكام، بما يتيح له دراسة الظواهر الاجتماعية للمغرب الإسلامي وإخضاعها للمراقبة.

وبعد أن أنهى ابن خلدون كتابة “المقدمة” في السنة الرابعة من إقامته بالمغارة التي كانت تعرف باسم مغارة “بني سلامة”، وكان ذلك في منتصف عام 1377، عكف على تصحيح وتنقيح ما كتبه، ووجد نفسه أمام مشكلة المصادر والمراجع ونفاد الأوراق التي كان يكتب عليها، فقرّر أن ينهي عزلته ويشد الرحال إلى مسقط رأسه تونس حيث ولد وتعلم، ولكن المرض حال دون ذلك.

الخميس، 23 أبريل 2015

قصر أحمد باي يروي أسرار عمارته وجواريه لزوار قسنطينة





العرب  صابر بليدي
قصر أحمد باي، معلم تراثي عريق وتحفة معمارية تتزيّن بها قسنطينة، مدينة “الصخر العتيق” احتفاء بها عاصمة للثقافة العربية لعام 2015 يختزن القصر بداخله مسيرة حافلة بالأحداث، ليروي حكايات بعض الأسرار الدفينة لحاكمه وجواريه لأجيال، لم تخطر بأذهانها قصّة القصر الفريد.
تعتبر جدارية قصر الباي أوّل عربون يستقبل به قصر أحمد باي زواره، فعلى امتداد 2000 متر مربع، تزيّن الجدارية المتعددة الزخارف قصر بايلك الشرق، أي حاكم إقليم الشرق، وفق التقسيم الإداري العثماني، وهي بمثابة وثيقة مرجعية أصلية، تتناول الرحلة الطويلة لصاحب المكان.
تقول شادية خلف الله، مديرة المتحف الوطني العمومي للفنون والتعابير الشعبية، إن هذه الجدارية “لم تبح بعد بجميع أسرارها بالتأريخ وبقراءة مختلف الأحداث التاريخية التي عايشها أحمد باي، مثل تلك المعارك التي شارك فيها، إلى جانب داي الجزائر العاصمة، ومختلف رحلاته إلى الشرق الأوسط”.
ويمكن للمتمعّن في الجدارية المدهشة، التي تتحدث عن رحلة قام بها أحمد باي للوصول إلى البقاع المقدسة، أن يمتّع نظره بجمال تونس وحلق الوادي وطرابلس، وميناء الإسكندرية حيث ترسو الفرقاطات والقاهرة بمساجدها.
يذكر أنّ الجدارية تعرّضت للتشويه من إدارة الاحتلال الفرنسي للجزائر، التي وضعت عليها ست طبقات أخرى، مشوّهة بذلك أصالة الطبقة الأولى، في محاولة منها لطمس معالم هذه التحفة المعمارية، التي تنطوي على براعة الهندسة المعمارية الشرقية، ورغم ذلك تبقى الجدارية صامدة بإثبات حضورها على جميع الجدران الداخلية للقصر، مثل ألبوم الصور التاريخية.
وتذكر خلف الله، خلال شرحها للجدارية المتعددة الزخارف، بأن أحمد باي شرع في رحلته التي دامت 15 شهرا في 1818، بينما كان مجرد خليفة منطقة، وهو ما يعني سبع سنوات قبل تعيينه على رأس بايلك.
وتضيف “انطلقت رحلته من أمام جسر سيدي راشد الحالي الواضح في الجدارية، ليلتحق بحلق الوادي ومدينة رادس الساحلية بتونس ثم طرابلس، ليمرّ بعدها على جزيرة جبل حسان بالمملكة العربية السعودية”.
وتبرز الرسوم التوضيحية لهذه التحفة الفنية 44 علما وراية، و3 مساجد و78 نوعا من الأشجار و36 سفينة شراعية و66 فرقاطة، وعديد المنازل ومختلف أنواع المباني البسيطة أو ذات القباب، و69 مئذنة و55 قبة و134 شجرة نخيل وعدة عبارات مكتوبة، 23 منها فقط سهلة القراءة و4 أنواع من الطيور و7 طواحين مائية وهوائية و4 قصور.
ويمكن تمييز البقاع المقدسة بالمدينة ومكة، إضافة إلى مدن جدة والإسكندرية وإسطنبول، المعروفة بالجامع الأزرق ذي المآذن الست، والإسماعيلية وجزيرة خالكي وجزيرة كانديا ببحر إيجا.
وتقول الروايات إنّ فكرة بناء قصر الباي، تعود إلى تأثر أحمد باي أثناء زيارته للبقاع المقدسة بفنّ العمارة الإسلامية، فأراد أن يترجم افتتانه بهذا الفن ببناء قصر في قسنطينة، الذي انطلقت الأشغال الفعلية لبنائه العام 1827 ليكتمل تشييده العام 1835. وهو ما يعني أنّ إقامة أحمد باي بالقصر لم تستمر سوى سنتين قبل سقوط قسنطينة بيد الاحتلال الفرنسي عام 1837.
ويمتد القصر على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 5600 متر مربع، ويتميز باتساعه ودقة توزيع أجنحته المتساوية في الشكل والمضمون.
ويمكن لزائري القصر الاستمتاع بالنقوش والزخرفة الضاربة في العمق الحضاري للمنطقة، حيث يشتمل طابقه الأرضي على حدائق عدة وفناءات رحبة، كما يحتوي على 121 غرفة و500 باب ونافذة مصنوعة من خشب الأرز المنقوش بمهارة، والمطلي بالألوان الفاتحة الحمراء والخضراء والصفراء، علاوة على 30 رواقا، تكمن مهمتها في تسهيل مرور التيار الهوائي عبر مختلف أرجاء القصر، وحوالي 250 عمودا من الرخام الأصلي.
يحيط بالقصر خمسة أقواس تقابلها حدائق مفتوحة على مصراعيها لاحتضان الطبيعة، فيما يتوسّطه حوض كبير، يقال إن نساء أحمد باي وجواريه كنّ يستجممن فيه بالمياه الباردة المتدفقة من أعلى القصر، والتي كانت في الغالب تتشكل كشلالات تمتد مياهها إلى أسفل القصر حيث تربّى الأسماك.
أما الطابق العلوي من القصر فيؤدي إلى فناء كبير، هو الآخر مزيّن بأروقة ذات أقواس وشقق شبيه بالطابق السفلي، حيث تقول بعض المخطوطات إن أحمد باي أصرّ على أن تكون غرف القصر متشابهة، وربّما ما يميّز الطابق الثاني هو غرفة فاطمة ابنة أحمد باي، التي تبدو بأنها مختلفة عن باقي الغرف، إضافة إلى غرف رحبة، بجوارها حمام ذو هندسة مغاربية كان مخصصا للباي ونسائه.
وقد روّج عن أحمد باي، في عدد من وثائق المستشرقين، أنّ قصره كان يعجّ بالجواري، ويحتضن تحديدا 385 جارية، تقمن في عشرات غرف القصر وأجنحته الفسيحة. وتقول بعض الروايات إنّ الحاج أحمد باي لئن كان محبّا لجمال المعمار فإنّه كان كذلك مهووسا بالنساء الجميلات، ممّا جعله يستكثر الجواري في قصره، إلى جانب نسائه الأربع. ويفسّر بعض الرواة كثرة غرف القصر وتشابهها بأنّ الحاكم كان لا يهوى الاستقرار الدائم في أحد أجنحته، بل يفضّل التجوال بينها كلّ ليلة، والمرور على جواريه، كي لا يعتريه الملل. وتقول بعض المصادر إنّه بعد إخراج الباي من قصره عند سقوط قسنطينة على يد الاحتلال الفرنسي، تحوّل هذا العدد الهائل من الجواري إلى الإقامة في بيت دعارة، في “باب الجابية بالسويقة” أقامه الفرنسيون للغرض، تماما مثلما فعلوا في كلّ المدن الكبرى التي احتلوها في المنطقة.
ومع ذلك فقد شكّك الباحث الجزائري، احميدة عميراوي، في صحّة هذه المعطيات، معتبرا أنها مبالغة مغرضة ومغالطة تاريخية لتشويه أحمد الباي، نظرا إلى عدم وجود أسانيد تؤكّد ذلك سوى وثائق قليلة خلّفها بعض الضباط الفرنسيين مثل شارل فيرو.

يذكر أنّ أحمد باي كان قد عيّن حاكما على بايلك الشرق العام 1826، فشهدت قسنطينة في عهده استقرارا كبيرا إلى غاية العام 1837، تاريخ سقوطها على يد الفرنسيين، بعد معركتين ضاريتين خاضهما الحاج أحمد باي، أي بعد نحو سبع سنوات من احتلال الجزائر. ونظرا لبهاء القصر، اتخذه قائد الجيش الفرنسي، الجنرال بيرتراند كلوزيل، مقرّا له.

الجمعة، 10 أبريل 2015

سجن 'سركاجي' الجزائري من رهبة المقصلة إلى رواية التاريخ




العرب  صابر بليدي
        
يعد سجن سركاجي من أشهر السجون في الجزائر، وقد بني في عهد الحكم العثماني للبلاد وكان حصنا يحرس العاصمة من تحرشات الأسبان، ثم حولته السلطات الفرنسية الاستعمارية إلى سجن في عام 1856، وشهد العشرات من عمليات الإعدام في حق المناضلين الجزائريين أثناء ثورة التحرير.
وارتبط السجن بأبشع ممارسات التعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام اللاإنسانية ضد المناضلين بالمقصلة، حيث احتضن المئات منهم في زنزاناته المظلمة والباردة قبل تنفيذ أحكام الإعدام فيهم. ومن بين هؤلاء أحمد زبانة وعبدالقادر فراج، اللذان أعدما في نفس اليوم بتاريخ 19 يونيو 1956، أو فرناند إيفتون الذي أعدم يوم 13 فبراير 1957.
وتقول مصادر تاريخية أن الجيش الفرنسي الذي كان يحكم الجزائر بيد من حديد، قام بإعدام ما لا يقل عن 58 مناضلا في سبيل القضية الوطنية، من بينهم سعيد تواتي وبوعلام رحال وطالب عبد الرحمن في ساحة السجن، التي كانت تشهد هتافات “تحيا الجزائر” المنبعثة من حناجر المناضلين من داخل الزنزانات، كلما نفذ حكم الإعدام في أحد منهم.
ويقول مقيم قديم في حي القصبة القريب، أن “السجن كان مكانا مروعا، وكان أحمد زبانة وعبدالقادر فراج، أول من نفذ فيهما حكم الإعدام، وكان هذا التنفيذ في غاية البشاعة حيث أعدم زبانة في ثلاث مرات، وأذكر جيدا أن هذا التنفيذ كان بشعا، حيث بقي زبانة حيا بعد محاولتين، قبل أن يستشهد في المحاولة الثالثة.
وأكد وزير العدل طيب لوح أن هذا القرار نابع خاصة من “طلبات مخرجين سينمائيين ومنتجين وفنانين للقيام بتصوير أفلام ولقطات داخل سجن سركاجي، الذي يبقى من بين المعالم الشاهدة على فظائع جرائم الاستعمار.
ومن بين مناضلي القضية الوطنية الذين مروا من هذا السجن، المناضل والشاعر مفدي زكريا صاحب النشيد الرسمي للدولة الجزائرية، هنري علاق، جميلة بوحيرد، رابح بيطاط، آن شتينر، زهرة ظريف، بن يوسف بن خدة وعبان رمضان.. وغيرهم.

وغداة الاستقلال اقترح الرئيس الراحل أحمد بن بلة تحويل السجن إلى متحف لوجود العديد من الكتابات التي تركها شهداء الثورة على الجدران، وتم بالفعل غلقه لمدة قصيرة وصنف معلما تاريخيا كشاهد على القمع الاستعماري، إلى أن أعيد فتحه سنة 1965 وتعاد تسميته بـ”سجن سركاجي”.

السبت، 28 مارس 2015

مدينة الألف قبة وقبة كنز دفين في قلب الصحراء الجزائرية




يقول مختصون إنه “منذ عشرات آلاف السنين، كانت منطقة وادي سوف تنتمي جيولوجيا إلى الكتلة القديمة البلورية التي تكونت أثناء العصور الأولى من تاريخ الأرض الجيولوجي، والتي تتألف من الغرانيت والنيس والميكاشيست والكوارتزيت، وبعد تعرض سلاسلها الجبلية للتعرية اجتاحتها مياه البحار القديمة، فكادت تغمر كامل الرقعة الصحراوية الحالية، ولكن انحسرت المياه أثناء العصر الفحمي. وأثناء عصر الأيوسين (بدء الحياة الحديثة) خلال الزمن الجيولوجي الثالث تعرضت الصحراء لعوامل التعرية الجوية التي أثرت على تضاريسها فطبعتها بطابعها المميز الحالي.
ويقول العلامة ابن خلدون “كان الناس يستظلون في ظل الأشجار عند تنقلاتهم من طرابلس إلى الزيبان، ولعل حرق الكاهنة وهي قائدة بربرية لتلك المناطق إبان الفتح الإسلامي يشير إلى ذلك.
ولعل ما يشهد برأي المختصين على العصر الحجري في سوف “وجود الصوان المسنون والأدوات المختلفة الأنواع والأحجام كرؤوس السهام المصنوعة بدقة ومن مختلف العصور.
ويقول مؤرخون إن إقليم السوف (محافظة وادي سوف حاليا) كان في ما قبل التاريخ غنيا بالحيوانات والنباتات، كما أنه عرف حضارات متعددة منذ العصر الحجري، ولقد عرجت العديد من الرحلات والهجرات الإنسانية عبر السوف، الذي كان مقرا للقبائل البربرية الزناتية لمدة طويلة، ثم استعملته جيوش الرومان للعبور نحو الشمال، أما أول القبائل العربية فقد وصلت إلى السوف في القرن السابع تقريبا، وكان السكان الأصليون لهذا الإقليم يعيشون في الخيام ويمارسون تربية المواشي والتجارة، ولكن زراعة النخيل جعلتهم يستقرون في بيوت من الجبس.
وتعد مدينة الوادي الواقعة على الحدود مع تونس وليبيا، من أجمل مدن الصحراء الجزائرية في الظرف الراهن بفضل طابعها المعماري الجذاب، حيث ترتفع القباب على كل بنايات المدينة بطابعها الفردي والعمومي والشعبي والرسمي، وهي صومعات تصنع من الجبس المحلي وتدخل في أبجديات المعمار المحلي لتحمي ساكنيها من قيظ الصيف وقرّ الشتاء، فهي تؤدي دور المكيفات الهوائية بمنطق الحياة الحديثة.

ويعتبر مسجد وسط المدينة والسوق الأسبوعية القلب النابض للمدينة، حيث يتدافع جمهور من المتنزهين والباعة والمشترين يغمرهم عبير التوابل وتكتنفهم القيم الأصيلة ذات الدلالة الرمزية العريقة. وتختزل الرسوم الجدارية الأربعة في مدخل المدينة لزوار وضيوف المدينة تاريخ وادي سوف منذ العصر الحجري الأخير إلى غاية حرب التحرير الوطني الأخيرة. كما يشكل متحفها المتواضع رواية تحكي قصة الإنسان السوفي وتستعرض مسيرته عبر القرون.

الأربعاء، 4 فبراير 2015

“العطف”.. مدينة جزائرية تمنع السجائر منذ قرون


            
 إذا كنت من المدخنين فإن مكانك حتما لن يكون في مدينة “العطف” بالجنوب الجزائري، ففي هذه المدينة الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن 13 ألف نسمة لا يوجد أي محل يبيع السجائر، حيث يمنع أعيان المدينة وفقا لقانون عرفي يعود تاريخه لعدة قرون بيع أو تداول أو تدخين السجائر بشكل علني بها.
ويلجأ مدخنو السجائر في مدينة العطف أو “تاجنينت” كما تسمى باللغة الأمازيغية، والواقعة على بعد 600 كلم جنوب العاصمة الجزائرية، للاختباء من أجل تدخين سيجارة.
ومن أجل شراء علبة سجائر لابد على من يرغب في ذلك أن يتنقل إلى إحدى المدن المجاورة التي تبعد أقربها مسافة 7 كلم عن “العطف”، بحسب ما قاله عدد من رجال المدينة لمراسل الأناضول.ينتابك إحساس بحالة من الطمأنينة وأنت تتجول في أزقة مدينة العطف الهادئة وشوارعها التي تملأها سكينة نادرة في هذا المكان التاريخي، حيث تنتشر واحات النخيل، وما زالت الأعراف الاجتماعية القديمة تسير شؤون السكان لدرجة أنهم ليسوا بحاجة -على الأقل في الوقت الحالي- لقسم شرطة.
وتكتفي دوريات الدرك الوطني الجزائري، بدوريات قليلة في المدينة كل أسبوع للاطمئنان على أحوال السكان.وأسست “العطف” وهي إحدى أقدم مدن الجنوب الجزائري قبل اكثر من ألف سنة حيث احتفل سكانها قبل 15 سنة بمرور ألف عام على تأسيس هذه المدينة التي ينتمي 70 بالمائة من سكانها من الأمازيغ  للمذهب الإباضي، بينما توجد أقلية من العرب المنتمين للمذهب المالكي.
ويسود التعايش والتسامح في هذه المدينة، لدرجة أنها لا تحتوي إلى اليوم على قسم للشرطة أو نقاط أمنية، حيث تقل نسبة الجريمة إلى مستوى قياسي بالمقارنة مع باقي التجمعات السكانية في الجنوب الجزائري.ويعود هذا إلى النظام الاجتماعي المنظم المعتمد في تسيير شؤون السكان، حيث يرجع الناس في كل صغيرة وكبيرة إلى مجلس مكون من رجال الدين بالمسجد، وفي أغلب الحالات يعود الناس في أمورهم الخلافية إلى أعيان البلدة ورجل الدين فيها.ويقول دادي حمو أحد اعيان  المدينة :  “بفضل الله وجهد المخلصين من كل سكان البلدة تمكنا من الحفاظ على عادات وتقاليد يعود تاريخا إلى عدة قرون حيث يلتزم تجار المدينة طبقا لقانون عرفي بعدة ضوابط وشروط أولها عدم فتح المحلات التجارية في أوقات الصلوات الخمسة، وعدم ممارسة  التجارة في هذه الأوقات.
ويضيف حمو في حديثه لوكالة الأناضول : “يحرم على التجار بيع التبغ أو المسكرات وكل ما يخامر العقل، بالإضافة إلى عدم بيع أشرطة الموسيقى والفيديو ، وعد السماح بفتح مقاهي لأنها تلهي الناس عن اشغالهم”.ويتابع : “يعود تاريخ القانون العرفي الذي ينظم عمل التجار إلى عدة قرون، كما أن ديننا الحنيف قبل هذا يحرم تدخين السجائر ونحن نلتزم بتعاليم الدين الاسلامي حرفيا “.
ولكن هذا لا يعني خلو المدينة الصغيرة القريبة من عاصمة محافظة غرداية بالجنوب الجزائر من المدخنين حسب بعض الاشخاص الذين التقاهم مراسل الأناضول.فالمدخنون في “العطف” يعمدون للتخفي في بيوتهم أو في واحات النخيل بعيدا عن الأنظار، أو يتنقلون إلى مدينة غرداية المجاورة، ولا يخفي بعض الناس في المدينة مخاوفهم من تغير الأوضاع في هذا المكان الهادئ الخفي.

ويقول أحد شباب المدينة لوكالة الأناضول: “لقد أسس لنا الأجداد حضارة ينبغي علينا الحفاظ عليها وتوريثها لأبنائنا.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

وهران الجزائرية.. هنا ولدت أغنية “الراي” وشقّت طريقها نحو العالمية‎




وكالة الأناضول
تعد أغنية الراي طابعا موسيقيا اشتهرت به الجهة الغربية للجزائر، لكن ولادتها الحقيقية كانت بمدينة وهران (450 كلم غرب)، لتشق بعد ذلك طريقها نحو العالمية، حيث عبر بها فنانون على غرار الشاب خالد ومامي، الحدود الوطنية، لتصل إلى أوروبا وبالتحديد فرنسا كأوّل محطة.
بوحسون تشيكو، باحث في التراث الموسيقي لمدينة وهران، قال في حديث لوكالة الأناضول إن “أغنية الراي هي سفير للتراث الموسيقي المتنوع الذي تزخر به بلادنا.. ووهران هي التي احتضنت هذا الفن وطورته بفضل أبنائها الموسيقيين والمغنين، وفي مقدمتهم الشاب خالد”.
وتابع تشيكو: “أغنية الراي جاءها المخاض في محافظة بلعباس (500 كلم غرب العاصمة)، لكن رأت النور في وهران، مدينة الفن والفنانين”.
ومضى تشيكو قائلا: “الراي بقى مسجونا في الجزائر وكان يمارس عليه الحظر من طرف الإذاعة والتلفزيون الحكوميين في الثمانينيات، واعتبرت أغانيه خادشة للحياء، لكن المغني الشاب خالد استطاع في التسعينيات أن ينقله إلى ما وراء البحار”.
وتشير دراسات قام بها باحثون في التراث الموسيقي الجزائري ونشرتها الصحافة المحلية، إلى أن أغنية ”الرأي”، هي في الأصل لغة عامية بدوية قريبة من العربية يتداولها أهل الجهة الغربية للجزائر، حيث ظهر هذا الطابع الموسيقي في بدايته، في قالب الشعر الملحون (قصائد شعرية بلهجة عامية قريبة من العربية)، إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1962)، إذ كانت تعزف موسيقاها بآلات تقليدية على غرار الطبل والناي،  وحاكت هذه القصائد مآسي الجزائريين، الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الاحتلال.
وبعد الاستقلال تنوعت المواضيع المعالجة بين اجتماعية وعاطفية.
أما الانطلاقة الفعلية لطابع الراي كانت في الثمانينيات من القرن العشرين، حسب المغني الشاب مراد، في حديثه إلى “الأناضول”، على يد مغنيين أمثال الشيخة الرميتي” والشيخ ”بلمو” وفرقة “راينا راي”، الذين أدخلوا على “الراي” آلات موسيقية عصرية، منها ”الساكسوفون” و”السانتيتيزور”، ما جعلها تنفصل نهائيا عن الشعر الملحون، وتدخل عالم العصرنة.
وأوضح مراد أن هؤلاء المغنين السالفي الذكر طوروا أغنية “الراي”، لكن الذي أوصلها إلى العالمية في نظره هو الشاب خالد مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، حين حملها إلى فرنسا التي التقى فيها بمنتجين نشروها في كامل أوربا، لاسيما أغنية “دي دي” وهي كلمة عامية جزائرية تعني “خُذ”، أخذت شهرة عالمية.
وجاء من بعد المغني خالد الملقب بـ”ملك الراي”،  المغني “مامي” المعروف بـ”أمير الراي”، والذي ساهم يقول مراد، هو الآخر بفضل أغانيه الناجحة في شهرة هذا الطابع الموسيقي في أوربا، خاصة بعد تلك الأغاني الثنائية التي جمعته بفنانين مشهورين، على غرار المغني الانجليزي “ستينغ” sting.

وتبقى أغنية “الراي” أكثر الطبوع الموسيقية جدلا في الجزائر، نظرا للانتقادات التي باتت توجه في السنوات الأخيرة لمؤدي هذا الطابع الموسيقي، حيث يُتهم كثير منهم بإفساد الذوق العام بكلمات هابطة وأحيانا خادشة للحياء، بعدما أضحى هؤلاء يفضلون الغناء في النوادي الليلية، التي يعتبرونها مصدرا لجني الأموال الطائلة

الاثنين، 14 أبريل 2014

أورلال.. تاريخ الزاب الجزائري





كانت أورلال في القديم تسمى(وعلان) كما جاء في النسخة التونسية (وغلان) في سنة 460 هجرية وهي بلدة من بلاد الزاب القبلي أو الصحراوي فهي من القرى تضم قبائل صنهاجة ،ملوك القلعة من بني رمان وآثارها باقية إلى يومنا هذا في المكان المسمى بالأسوار.
وتعرضت هذه المنطقة إلى الاحتلال من طرف الرومان وأقاموا فيها مدينة جنوب وادي الجدي سميت آنذاك بجميلة الصغرى(القصبات) وتشهد بعض البقايا الأثرية على الأثر الحضاري الروماني رغم التخريب والسرقة في عهد الاستعمار الفرنسي وكذلك ساقية (بنت الخس) حزام حدود الدولة الرومانية عرفت هذه المنطقة الإسلام في ق 7 ميلادي الموافق للقرن الأول للهجرة 63 ه على يد الصحابي الجليل “عقبة بن نافع” رضي الله عنه بعد بسكرة وتمكن المسلمون بعد ذلك من طرد الحاميات الرومانية وعادت الأرض إلى أصحابها ،وبعدها تمكنت عائلة بني رمان من التحكم في زمام الأمور ببسكرة وما جاورها من قرى وتعود هذه العائلة إلى قبائل “صنهاجة.
وفي سنة 443 هجرية هاجرت قبائل عربية ومنها بنو رمان وبنو هلال إلى إفريقيا حيث أن زحفهم هذا شبه انتشار الجراد واستقرت بعض القبائل في مناطق الزاب وبسكرة وتخلو عن التنقل والترحال لما وجدوه من خيرات وسهولة العيش في هذه المناطق ومن الأسر التي تسلطت على الجميع أسرة بني مزني التي سلم إليها الحفصيون “ملوك تونس مقاليد الحكم وكانت هذه الأخيرة منبعا للظلم والتسلط مما أدى إلى ظهور أشخاص مناهضين إلى هذا التعنس من بينهم العلامة “سيدي سعادة ” ذلك الشيخ التقي الورع الذي حارب الظلم والفساد فشن عدة معارك ضد حاكم بسكرة “منصور بن فاضل بن مزني ” وفي 705 ه استشهد”سيدي سعادة” في هذه المعركة التي وقعت في منطقة أورلال وامليلي وحمل رأسه إلى “ابن مزني ” وبقيت هذه الآثار لحد الآن بين أورلال وزاوية ابن واعر التابعة لبلدية امليلي.
 وتوالت الأحداث على هذه المنطقة إلى حد أن رحل الأتراك بالجزائر في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر ميلادي حيث نصبوا حكاما موالين لهم أما في منطقة أورلال تم تنصيب “حسن آغا” سنة 1541 م وبعده”صالح رايس” الذي منحه الأتراك لقب شيخ العرب وفي 04 مارس 1844 م تمكنت القوات الفرنسية بقيادة ابن الملك الفرنسي “الدوق دومال” من دخول بسكرة بعد معارك طاحنة ومن أكثر المناطق التي أثارت اهتمام الفرنسيين منطقة الزيبان وخاصة الزاب القبلي الذي يزخر بمياهه العذبة التي يوفرها كل من “وادي امليلي” و”وادي كلبي” التي أدت إلى اخضرار المنطقة وامتيازها بالخضروات والفواكه ومن أشهرها النخيل والزيتون كما قال عنها المؤلفان الفرنسيان”ماركيو دامريك” و”جورج هرتر”:(امخادمة،أورلال،بيقو،امليلي حولتنا إلى واقع مخضر بينما”كاسترون جومو”لو يعيد تخطيط إمبراطورية روما).
 لمحــة عن الموقع الجغرافي
        
                                  
الحدود الجغرافية: أورلال بلدية من بلديات ولاية بسكرة متواجدة في الجنوب الغربي لولاية بسكرة ضمن مجموعة الواحات المكونة للزاب الغربي يحدها : ـ شـمـــــالا : بوشقــــــــــــرون . ـ جنوبــا : بلدية اسطيل ولاية الوادي . ـ شرقــــــا : بلديـــة امليـــــلي . ـ غربــــا : بلديــــة امــــخادمــــــة . وتم تقدير عدد السكان فــــي : 31/12/1998 بــ : 5834 نسـمـــــــــة .
الآثار الرومانية بأورلال منطقة أورلال غنية بشواهدها وآثارها التاريخية التي تدل على أنها منطقة من المناطق ذات الموقع الإستراتيجي الذي جعل الرومانيين يستقرون بها ويشيدون بها مدينة من أكبر المدن في ذلك الوقت التي سميت (جميلة الصغرى ) أو( جميلة 02 ) و تقع هذه الآثار جنوب وادي جدي و هي عبارة عن معسكر رماني ، أقامها الرومان لحماية حدودهم الجنوبية ، و هي عبارة عن القاعدة الخليفة لهذه الدولة ، و مازلت أثارها قائمة الى حد اليوم و ذلك رغم العوامل الطبيعية و البشرية عليها ، حيث أقام عليها المستعمر الفرنسي حفريات خلال سنوات 1947 الى غاية 1949.
                                     
 وفي ما يلي شهادة حية لأحد المواطنين يبين فيها سرقة القطع الأثرية التي كانت تزخر بها أورلال . هذا المواطن هو السيد : محمد بن عمر بن مسعود بن حميدة بن صيفي المدعو (حمى قرابة) المولود خلال 1918 من عائلة لكحل أولاد لكحل الزابية القدامى يتحدث عن نفسه قائلا “كنت أدرس في أحد المدارس الفرنسية بين سنة 1928 – 1932 على يد مجموعة من المعلمين منهم : – خنفر – علام أحمد – علي بوذهب القلي- سيزون “فرنسي” و لما أصبحت أتقن اللغة الفرنسية استدعاني العقيد ” جون بارداز ” – طيار فرنسي – فإختارني كرئيس للعمال وأمرنا بالبحث في منطقة جميلة الكائنة جنوب وادي جدي والقيام بالحفريات على أي قطعة أثرية رومانية وذلك في سنة 1947 إلى غاية 1949 كان عدد العمال في ذلك الوقت مايقارب 30 عاملا منهم : عيسى كحيل – بورحلة صغير وأخيه عبد الله- أحمد رايس وأخويه محمد وعبد القادر- لخضر دلاح – زياد رايس- العقون فرحات – عامر لخذاري – بلقاسم حماني بن الطاهر – التركي جحيش . كنا نجمع التماثيل والرخاميات والحجارة المنقوشة ونضعها في صناديق وتحمل إلى فرنسا .
هذه شهادة حية لأحد سكان أورلال يبين فيها مدى التخريب الذي لحق هذه المنطقة كغيرها من مناطق الوطن على يد المستعمر الفرنسي وأعوانه محاولين بذلك طمس الحضارة الوطنية .
من أعلام أورلال العلامة الشيخ السعدوني: هو السعدوني بن المداني بن خليفة السوداني وابن صحرة بنت يحي من السحاري (بيطام ) ولد على وجه التقريب سنة 1874 باورلال من أسرة متوسطة الحال متزوج وأب لخمس أبناء دخل مدرسة الكتاتيب في جامع سيدي مرزوق وكان عمره خمس سنوات تتلمذ على يد الشيخ أحمد بن سليمان بن علي بن الهادف بلهادف فحفظ القرآن في سن الحادي عشر على يد شيخه أحمد بن سليمان ثم رحل في طلب العلم إلى سيدي عقبة “بسكرة” ثم قسنطينة (المدرسة الكتانية ) وبعدها انتقل إلى تونس جامع الزيتونة ثم الأزهر الشريف بمصر ورجع إلى وطنه مسقط الرأس في سنة 1918 .بدا عمله كمرشد في المسجد العتيق الكائن بالبلد ما تبقى منه الآثار .يوضح للناس أمور العقيدة والتفسير والفقه الصحيح عن المذهب المالكي . فهو فقيه وفلكي ومتصوف من أصدقائه الإمام ” بيوض “. زاره الإمام الشيخ ابن باديس مرتين الأولى سنة 1927 والثانية في 1929 وكان يلح عليه فيها بالانضمام إلى جمعية العلماء المسلمين. بعد الزيارتين للشيخ عبد الحميد بن باديس أصبح هناك إقبال على حلقات الشيخ السعدوني وأصبح المسجد لا يسع لطالبي العلم وفي سنة 1927م فكر السيخ السعدوني ببناء مسجد آخر فطل من المدعوا”الحاج محمد بن إبراهيم قسميه “(ابن القاضي)بإيهابه قطعة أرض لبناء مسجد حيث شرع الشيخ في وضع الحجر الأساسي للمشروع في نفس السنة وتم بناؤه في سنة 1930 م وتم تجديده وتوسيعه سنة 1937 م وفي سنة 1931 م استدعي الشيخ إلى مؤتمر العلماء في الجزائر العاصمة فألقى محاضرة قيمة فنالت إقبال وصداق كبير من طرف الحاضرين وبعد رجوعه أصابه مرض ألزمه الفراش وفي أوائل فصل الصيف جوان 1931 م وافته المنية ودفن في مقبرة بن ضحوى في زاوية بن واعر بلدية امليلي وواصل تلاميذه ومحبي الشيخ السعدوني توسيع هذا المسجد وبناء منارة سنة 1937 م فحمل هذا المسجد اسم الشيخ السعدوني تكريما له ولعلمه.
العلامة سيدي سعادة: هو سعادة بن مسلم إحدى شعوب رياح كانت أمه تدعى “خضيبة” وكانت في أعلى مقامات العبادة والورع ،نشأ في الزهد وارتحل إلى المغرب وأخذ العلم على “أبا إسحاق التسولي” وتفقه عليه ورجع إلى وطنه رياح بفقه صحيح وورع وافر ونزل طولقة وأخذ بنفسه في تغيير المنكر على أقربائه وعشيرته وأصحابه فاشتهر بذلك ،وكثر أتباعه من قومه وأصحابه وبايعوه على إقامة السنة كما سمي أصحابه بالمرابطين(ألسنية) ،فشن الحرب عن قطاع الطريق من شرار البوادي ثم تخط بذلك إلى عامل الزاب يومئذ “منصور بن فاضل بن مزني” بإعفاء الرعايا من المكوس والظلومات. وكانت بسكرة تابعة إلى صاحب بجاية “بني حفص” وهو “الأمير خالد بن الأمير أبي زكريا” فطلب المزني من الأمير خالد المدد فأمده بالجيش وذهب إلى طولقة بالقبض على سعادة فخرج منها فبنى زاوية بأنحائها. وزحف سعادة وأصحابه إلى بسكرة وحاصروا “ابن المزني” سنة 703 ه ثم عاودوا حصارها سن 704 ه ثم غزا امليلي وحاصرها أياما أهل هذه المنطقة بعثوا بالصريخ إلى ابن المزني ،فحاصروهم ليلا عساكر ابن المزني ،وقتل سعادة في هذه المعركة التي قامت بين أورلال وامليلي سنة 705ه وحمل رأسه إلى “ابن المزني” وبقية هذه الآثار قائمة لحد الآن بين أورلال وزاوية بن واعر التابعة لبلدية امليلي.

 مشاركة وصور : زوبيري أدريس / جمعية الوفاق الثقافية

السبت، 12 أبريل 2014

حمام قرقور.. نقاهة وعلاج



على بعد 50كلم غرب ولاية سطيف وعلى ارتفاع 680كلم على مستوى سطح البحر تتربع مدينة قرقور على مساحة 76 كلم مربع ويسكنها قرابة 15الف نسمة
تتميز المدينة بطابع معماري روماني يمتد تاريخه الى سنة 193 قبل الميلاد وحملت المدينة اسم "ادسافا مونسيبيوم" والتي تعني بالرومانية "وادي السلام" الذي يشكل محور الروابي المترامية على محيط هذه المدينة وقد أحيطت هذه المنطقة بالنصوص الشعرية والروايات مما أضفى على الصبغة الفلكلورية وجعلها تغوص في عالم الأساطير
وبالنظر لهذه المزايا الفريدة التي تميز المنطقة وتجعل منها موقعا سياحيا فاتنا تهافت السياح والباحثون عن المتعة والاستجمام على حمام مدينة "قرقور" حيث تجاوز عدد زوارها المليون سنويا والعدد مرشح للارتفاع ليعثر كل من يزور حمام "قرقور" على ضالته من أماكن الترفيه
علماء ومؤرخون في ضيافة قرقور
نظرا لم ذكرناه من خصائص حمام "قرقور" والميزات الهامة والقيمة فإن هذا الأخير بمثابة مزار من طرف الكثير من الشخصيات والعلماء الذين سعوا للتداوي بمياهه والتبرك بالإقامة فيه ونجد من بينهم الشيخ محمد الغزالي الذي دخله فاقدا للحركة وغادره وهو يمشي على قدميه كما يوجد برنامج للاستشفاء للدكتور هازوك الذي وضعه سنة 1954 يشرح فيه كيفية العلاج بهذه المياه الحموية المعدنية

يعرف المركب السياحي حمام قرقور اقبالا كبيرا من المواطنين مما جعله يعرف اكتظاظا كبيرا خاصة في العطل كما يحتوي المركب الذي فتح أبوابه سنة 1987 على فندقين ب96 غرفة و 38 مسكنا عائليا من غرفة إلى 03 غرف وأربع فيلات ومطعمين إضافة إلى مسبح

الجمعة، 14 فبراير 2014

دار الحديث بتلمسان... قلعة الإصلاح الإسلامي في الجزائر




- الأستاذ: عبد الحق آل أحمد
في بداية الثلاثينات خطت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خطوات جبارة في ميدان التعليم باللغة العربية عن طريق إنشاء مدارس حرّة غير ممولة من طرف الاستعمار الفرنسي، في الوقت الذي اتخذت فيه هذه الأخيرة لنفسها مدارس كبيرة للتعليم باللغة الفرنسية مسخرة كل الإمكانيات الموجودة آنذاك.
لقد كان لظهور الشيخ البشير الإبراهيمي في تلمسان شهر أكتوبر عام 1932م أثره الكبير في بناء مدرسة دار الحديث، بالاشتراك مع الجمعية الدينية الإسلامية التي تأسست يوم:01/سبتمبر/1931م وكان يرأسها المحامي عبد السّلام طالب.
وفي الجمعية العامة التي عقدتها الجمعية الدينية الإسلامية بحضور الشيخ البشير الإبراهيمي يوم:23/ديسمبر/ 1934م في الساعة التاسعة صباحا، ودامت أشغالها حتى منتصف الليل تمت الموافقة على ما يلي:
-السماح للجمعية بالحصول على قطعة أرض لبناء مدرسة أو محل للجمعية
-تحديد عدد الأعضاء.
-مسائل عامة وغيرها..
وقد وضعت الجمعية كل الثقة في الشيخ البشير الإبراهيمي لاختيار أعضاء اللجنة الجديدة وتحوي 32 عضوا.
وتم فيما بعد شراء قطعة الأرض سنة1935م، وكانت عبارة عن دكان ليهودي اسمه (بن يشّو) يستغله لبيع الحبوب، و يروى أن اليهودي كان على علم بأن أهالي تلمسان من المسلمين سيشترون الأرض وهي تقع على مرتفع عظيم وتنحدر كل عام بضع سنتيمترات يعني أنها لا تصلح للبناء على المدى البعيد ومع ذلك وافق على البيع بعد أن بلغ المبلغ المصرح به في العقد : 125000فرنك، مع قائمة طويلة تحوي 117 مشتريا (متبرعا) من جميع الأوساط و العائلات التلمسانية سواء البارزة منها أو المتواضعة دون تمييز، وبهذا تكون العائلات على اختلاف مركزها الاجتماعي قد ساهمت في عملية التبرع بمبلغ بناء دار الحديث.
و الجدير بالذكر أن تلميذ دار الحديث الشيخ بن يونس آيت سالم-حفظه الله وبارك في عمره- قال
إن أحد اليهود عرض على جمعية العلماء قطعة واسعة، بعيدة عن وسط المدينة لمّا اشترت الأرض لبناء دار الحديث، وهذا العرض و إن كان في ظاهره خير، فإنه يحمل في باطنه نية غير بريئة، وهي محاولة إبعاد مقر الجمعية عن وسط المدينة، ولكن ما كان الشيخ البشير الإبراهيمي لتنطلي عليه مثل هذه الحيل.اهـ
وفي يوم:17 فبراير1936م انطلقت لجنة تشييد و بناء مدرسة دار الحديث في أعمالها تحت إشراف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ومشاركة أهالي تلمسان كل بما وسعه؛ فمنهم بعرقه و منهم بقوته، ومنهم بماله، و منهم بدعائه، وكل حسب طاقته.
لقد كانت لهذه المدرسة طابعها الحضاري الإسلامي، وكانت بحق مفخرة الجزائر، وكان لها الشرف أن تكون أول مدرسة تبنيها جمعية العلماء من الأساس إلى السطح على نمط الهندسة المعمارية الإسلامية في الأندلس، و الفضل لله سبحانه و تعالى أن وفق المهندس: عبد الرحمن بوشامة –رحمه الله تعالى-لتصميم البناء.
وهي تتكون من طابق أرضي فيه مسجد للصلاة، وقاعة وضوء في الطابق السفلي، وقاعة لمحاضرات و خشبة للمسرح و مكتب إدارة المدرسة في الطابق الأول، أما الطابق الثاني فيحتوي على خمسة أقسام للدراسة هذا قبيل الاستعمار، لكن بعد الاستقلال تم توسعة الدار بزيادة بعض المرافق كالمكتبة و قاعة الانترنت..
افتتاح دار الحديث والمشهد العظيم:
لقد كان يوم: 27/سبتمبر/1937م يوما مشهودا في تاريخ الجزائر عامة و تلسمان خاصّة، حيث توافد الناس من كامل القطر الجزائري لحضور افتتاح دار الحديث، وكان عددهم حوالي3000شخص منهم 700ضيف، و البقية من أهالي تلمسان.
وخرج يومها أهالي المدينة كبارا و صغارا، للقاء رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله تعالى -، وبعد أن حضر الشيخ بن باديس تم افتتاح مدرسة دار الحديث بحضور ثلة من أهل العلم و من دعاة الإصلاح الإسلامي كالشيخ العربي التبسي و الشيخ مبارك الميلي و غيرهم..
وبعد أن ناول الشيخ البشير الإبراهيمي مفتاح الدار إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس ودخلا معا بدأت الجموع في الخارج تصيح خارج المدرسة:
"ابن باديس.. ابن باديس.. نريد أن نرى و نسمع ابن باديس !"
فأطل عليهم هو والإبراهيمي و العلماء من الشرفة في الطابق الأول، وخاطبهم قائلا:
"يا أبناء تلمسان.. يا أبناء الجزائر..إن العروبة من عهد تبع إلى الآن تحييكم..
و إن الإسلام من عهد محمد صلى الله عليه و سلم إلى اليوم يحييكم..
و إن أجيال الجزائر من هذا اليوم إلى يوم القيامة تشكركم و تثني عليكم و تذكر صنيعكم بالجميل..
يا أبناء تلمسان كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأديتموها فنعم الأمناء أنتم فجزاكم الله جزاء الأمناء
و السلام عليكم و رحمة الله".
وبعد هذا المشهد العظيم بدأت تلمسان تشع بتوافد رجالات الإصلاح و التعليم للسير نحو النهضة العلمية الإسلامية..
فألقى الشاعر محمد العيد آل خليفة قصيدة في الجملة رائعة مطلعها:
أحييّ بالرضى حرما يزار***ودار تستظل بها الديار
وروضا مستجد الغرس نضرا***أريضا زهره الأدب النضار
وميدانا سترتبع المهاري***بساحته وتستبق المهار
وعينا ما لمنبعها مغاض***وأفقا ما لأنجمه معار
أحييّ خير مدرسة بناها***خيار في معونتهم خيار
تلمسان احتفت بالعلم جارا***وما كالعلم للبلدان جار

إضافة صاحبة المدونة:

تعرّضت مدرسة دار الحديث لكلّ ما تعرّضت له بقية مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فأغلقت بأمر من رئيس الدائرة الفرنسي سنة ,1938 وبعد شهور قليلة أعيد فتحها. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية توقّفت عن النشاط عندما نفي الإبراهيمي في 04 أوت 1939م إلى مدينة أفلو التي قضى فيها منفاه لثلاث سنوات، ثمّ فتحت بعد إطلاق سراحه سنة 1943م فاستأنفت نشاطها الذي لم يتوقف إلاّ في 29 ماي 1956م حين أغلقت من طرف الاستعمار الفرنسي وانضم عدد كبير من تلامذتها إلى الثورة التحريرية واستشهد البعض منهم.